يبدو أن الحماية الأميركية للسعودية بشكلها القائم أصبحت باهظة التكلفة على المملكة وبحاجة إلى مراجعة لتقييم مدى جدواها مستقبلا، إذ أصبحت هذه الحماية تضع المملكة أمام خيارات صعبة ومتناقضة، في ظل تحولات هيكلية آخذة في الظهور على أسواق النفط منذ فترة ليست بالقصيرة، وتحديات متصاعدة داخلية وخارجية.

فلنفترض أن النظام في المملكة بحاجة إلى الحماية الأميركية كما هو الوضع القائم منذ 75 عاما، والسبب في ذلك هو الرغبة في الاستحواذ على السلطة والاحتفاظ بها إلى ما لا نهاية.

وثمن هذه الحماية هو النفط السعودي، بما يضمن المصالح الأميركية، وإن أدى ذلك إلى تضارب مع المصالح السعودية، فشرط الحماية كان ضمان تدفق النفط السعودي إلى أميركا، ثم أضيف إليه بعد صعود النفط الصخري الأميركي عدم التعرض لهذا الأخير، والسماح له بالتوسع والازدهار.

ولكن هذا الشرط في حد ذاته يؤدي إلى نقض الحماية أو إضعافها ورفع تكلفتها على أقل تقدير. فالحماية قائمة على مدى الحاجة إلى النفط السعودي، وتوسعُ الإنتاج والاكتفاء الذاتي الأميركي سيلغي هذه الحاجة، وبالتالي سيلغي الحاجة إلى حماية السعودية أيضا.

وقد ظهرت بالفعل  مؤشرات على تراجع اهتمام أميركا بالمنطقة مع صعود النفط الصخري وتحقيق واشنطن الاكتفاء الذاتي، مع تزايد الطلبات بالدفع أيضا مقابل الحماية تصدر لأول مرة من رئيس أميركي وبطريقة علنية ومبتزة.

فإذا سمحت المملكة للنفط الصخري بالتطور والازدهار، فإن ذلك -أولا- سيلغي الحاجة إلى النفط السعودي، ومن ثم سيلغي -منطقيا- الحاجة إلى حماية السعودية، وسيشكل -ثانيا- مصدر منافسة للسعودية ذات الاقتصاد غير المتنوع والمعتمد على النفط، وهي بحاجة إلى سعر للنفط مرتفع لتوازن ميزانيتها، مما يعني المزيد من الصعوبات والتحديات الاقتصادية.

 

نموذج لمأزق السلطة والنفط والحماية في المملكة:

  1. السلطة تتطلب النفط والحماية.
  2. النفط يثبّت السلطة ويجلب الحماية.
  3. الاعتماد على النفط غير قابل للاستدامة.
  4. التنويع يعزز الاستقرار الاقتصادي والاستدامة.
  5. التنويع يهدد استقرار النظام (السياسي الريعي).
  6. الحماية تتطلب الحاجة إلى النفط السعودي.
  7. الحاجة إلى النفط السعودي تتطلب إخراج النفط الصخري.
  8. إخراج النفط الصخري يلغي الحماية.
  9. إلغاء الحماية يهدد استقرار النظام السعودي.

فهل يصبح الإصلاح خياراً يحقق الاستقرار الاقتصادي والسياسي للنظام ويغنيه عن الحماية الأجنبية؟

فإذا زادت المملكة إنتاج النفط وانخفضت الأسعار أضرت بالنفط الصخري وجازفت بفقدان الحماية الأميركية، وإذا خفضت الإنتاج وارتفعت الأسعار أغضبت ترامب الذي يسعى لفترة رئاسية ثانية بأي ثمن، وهدد برفع الحماية عن الملك، وابتزه بطريقة علنية لا تخلو من الإهانة. فلم يعد بإمكان المملكة لعب دورها القديم كمنتج مرجح بما يحقق مصالحها، لأسباب ليست فنية فحسب، بل سياسية أيضا. ويبدو السعر المقبول للأطراف الأميركية يتراوح بين 50 و70 دولارا للبرميل، فينبغي ألا ينخفض فيهدد منتجي النفط الصخري، كما يجب ألا يرتفع فيزعج ترامب ويقوض حظوظه في الانتخابات.

ولكن ماذا عن المملكة نفسها التي تحتاج إلى سعر مرتفع من أجل توازن ميزانيتها، والإيفاء بالتزامات الإنفاق العام، وتنويع الاقتصاد وخلق الوظائف ومواجهة التحديات المتصاعدة؟ لقد أصبحت المملكة في مأزق، فلا هي نوعت اقتصادها عبر عقود من الطفرات النفطية المتعاقبة، ولا هي اعتمدت على نفط قابل للاستدامة، وتكلفة الحماية آخذة في الارتفاع، ولا تبدو هي أيضا مضمونة الاستدامة. فلكل من هذه العوامل ثمن متغير مع الزمن في عالم متحول، وعلى القيادة في المملكة تقييم هذه التحديات في ظل تحولات اقتصادية وجيوسياسية متلاحقة.

 

النظام السياسي للدولة الريعية الخليجية

النفط هو نظام الدولة الريعية الأوتوقراطية الخليجية، فهو يثبّت السلطة داخليا ويجلب لها الحماية خارجيا.

فريع النفط يركز الدخل والثروة في النخبة الحاكمة وبالتالي يركز السلطة أيضا، لأنه يتيح لها قدرات هائلة على توظيف الريع في تعزيز قبضتها على السلطة، من خلال خلق برامج إنفاق، وآليات توزيع، وأنظمة تسول على السلطة لكسب الولاءات وإقصاء المناوئين، وأيضا من خلال خلق نظام لقمع الحريات وطمس التطور الديمقراطي.

وكما أن القيمة من وراء استقطاع الريع مرتفعة، فإن تكلفة استقطاعه على السلطة أيضا منخفضة. فتركز وكثافة الموارد الهيدروكربونية يجعلها أكثر عرضة وجاذبية للاستقطاع والمصادرة، لأن التشوهات الناتجة عن الاستقطاع على بقية الاقتصاد محدودة نظرا لضعف قنوات المنتفعين من استخراج الموارد الطبيعية الذي لا يتطلب عمالة كبيرة، وبالتالي فإن التكلفة السياسية على الحاكم من استقطاعه للريع منخفضة لأن الشريحة المتضررة من الاستقطاع بفقدان الوظائف والدخل في المجتمع تبقى محدودة.

 

ولكن الاعتماد على النفط غير قابل للاستدامة، فهو يبقي المملكة عرضة لتقلبات الأسعار وصدمات الطاقة، ودورات الرواج والانهيار النفطية، والعلة الهولندية، ومفاجآت التكنولوجيا، كما هو الحال الآن مع النفط الصخري. ثم إنه ناضب لا محالة، عاجلا أم آجلا.

 

التنويع ضد طبيعة الدولة الريعية الأوتوقراطية

ومع أن التنويع يحد من الاعتماد على النفط والانكشاف على سلبيات نمو ناتج عن الموارد الطبيعية وغير قابل للاستمرار، فإن له متطلبات (إصلاحات) اقتصادية، وتكلفة سياسية. فعملية تنويع اقتصادي ناجحة ستؤدي إلى تقويض نموذج النمو الريعي الخليجي الذي تم تبنيه منذ اكتشاف النفط، والقائم على استخراج النفط واستقطاع الريع وإعادة توزيعه بما يتسق وتعظيم فرص البقاء في السلطة إلى ما لا نهاية، والتحول إلى نموذج نمو قائم على بناء رأس المال البشري والتحول التكنولوجي والتطور الصناعي، وتوزيع أكثر عدالة للدخل والثروة في المجتمع، وبالتالي سيدفع  ذلك أكثر نحو تحول موازٍ في النظام السياسي للدولة الريعية نحو الديمقراطية، وهو أمر غير مرغوب فيه، فيظل التنويع ضد طبيعة الدولة الريعية لأنه يجردها من أهم مقومات بقائها وهي آلية توزيع الريع.

هذا ما حدث في تجربتي أوروبا وشرق آسيا، إذ تزامن التحول نحو اقتصاد متنوع مع تحول في النظام السياسي نحو الديمقراطية. ففي أوروبا أدى توسع وازدهار قطاع الأعمال في المراحل الأولى للتنمية إلى خلق مجموعات ضغط تدافع عن مصالحها لدى الأنظمة، ثم تطور ذلك إلى مطالب بإصلاحات سياسية. كما لم تنوّع دول شرق آسيا إلا مجبرة بعد نضوب مواردها النفطية، وتزامن ذلك مع تحول في النظام السياسي نحو الديمقراطية. وفي هذا السياق يقول رئيس وزراء ماليزيا السابق مهاتير محمد “إننا أجبرنا على التحول من استخراج الموارد الطبيعية إلى تنمية صناعات كثيفة الاستخدام للعمالة من أجل خلق فرص عمل لمواطنينا”.

فإذا كان نظام الدولة الريعية الخليجية قائما على الاستخراج والاستقطاع والتوزيع، ويركز الدخل والثروة في الأقلية الحاكمة، فالتنويع يعمل على عكس ذلك، لأنه يفترض أن يقوم على تنوع هياكل الإنتاج ومصادر الدخل والأنشطة الاقتصادية، وباستقلالية أكبر عن تأثير الريع وآلية توزيعه المتركزة بيد السلطة، والمستخدمة في تثبيت النظام. وإذا ما ترافق التنويع -كما هو الغالب- مع فرض ضرائب، فسيدفع ذلك نحو تكوين نظام أكثر شفافية ورقابة ومحاسبة على المال العام واتخاذ القرار، والتحول أكثر نحو نظام الدولة المنتجة (الضريبة) التي تكون فيها السلطة أو الحاكم بحاجة إلى المواطنين لتوليد الدخل، لا أن يكون المواطنون بحاجة إلى الحاكم أو عالة على السلطة للحصول على دخولهم كما هو الحال في الدولة الموزعة (الريعية).

 

النفط والحماية

النفط أيضا يجلب الحماية الأجنبية للنظام ويثبت سلطته، وذلك من خلال مقايضة ضمان تدفقه وتوظيفه فيما يخدم مصلحة الحامي، مقابل توفير الأمن والحماية للنظام، وبالتالي تثبيت الأوضاع السياسية القائمة. لذلك هناك مصلحة مشتركة من استمرار هذه العلاقة بين الطرفين، فالحامي بحاجة إلى النفط، والمحمي بحاجة إلى الحماية. ومن مصلحة أميركا توفير الأمن والحماية للنظام الريعي الدكتاتوري السعودي، مقابل ضمان مصالحها النفطية وغير النفطية في المنطقة، لأن نظاما ديمقراطيا يستند إلى شرعية شعبية داخلية لن يكون بحاجة إلى حماية خارجية، وبالتالي لن يكون مضطرا لمقايضة النفط أو الدفع أو رهن القرار الاقتصادي أو السياسي السيادي مقابل حماية أجنبية.

فالحماية الأجنبية تبقي المملكة السعودية عرضة للابتزاز وترهن مواردها وقرارها الاقتصادي والسياسي السيادي، وهي باهظة التكلفة على المدى الطويل، إذ تحول دون اعتماد المملكة على النفس وبناء قدراتها الذاتية، كما تبدو غير مضمونة الاستدامة في ظل تحولات هيكلية آخذة في الظهور على أسواق النفط، أدت إلى زيادة الإنتاج من خارج المملكة ومنظمة أوبك، وعلى رأسها النفط الصخري الأميركي.

فالحماية كانت في أصلها مقايضة بضمان تدفق النفط، ثم أضيف إليها السماح للنفط الصخري بالتوسع والازدهار، ثم بعد وصول ترامب إلى الرئاسة بدأت تتزايد مطالبه بالدفع المباشر مقابل استمرار الحماية، وكأن شرطيْ الحماية السابقيْن لم يكونا -أو لم يعودا- كافيين، ليستدرك ترامب ما فات الرؤساء السابقين بعدم طلب الدفع مقابل الحماية. وقد أقر له الملك بذلك وبالاستعداد للدفع حسب زعمه، وفي هذا مؤشر على ضعف موقف المملكة وتراجع أهميتها وأهمية نفطها لدى أميركا، وأن ثمن الحماية متغير وليس ثابتا.

يضاف إلى ذلك، مشتريات الأسلحة وصفقاتها الضخمة عبر عقود من العلاقة بين البلدين، جعلت المملكة أكبر مشتر للسلاح حول العالم. وكان آخرها صفقة اقتربت من النصف تريليون دولار في بداية عهد ترامب. ولكن ترسانة المملكة الضخمة من الأسلحة تبدو غير مجدية وقليلة الفائدة في ظل عدم الكفاءة في استخدامها، وعدم بناء موازٍ لرأس المال العسكري البشري الوطني الذي يمكنه الاستفادة منها. فالمملكة كانت -ولا تزال- لا تستطيع الدفاع عن نفسها وبحاجة إلى الحماية الأميركية، وفي أزمات سابقة كان لأميركا يد في كثير منها، فهي من يخلق الأزمات والحروب وهي من يبيع السلاح. ودول مجلس التعاون عموما أكبر منفق على التسلّح في العالم، وفي الوقت نفسه هي من أكثر الدول حاجة إلى الحماية الأجنبية، ومن نفس مصدر تسلحها.

ولكن يبدو أن النموذج العربي الدكتاتوري في التسلّح يهدف إلى القمع الداخلي أكثر منه إلى الدفاع الخارجي. والملاحظ أنه بعد كل طفرة نفطية يتم فيها مراكمة بعض الثروات في المنطقة، يتم الاستحواذ عليها بطريقة أو بأخرى، بخلق أزمات وإشعال حروب وغيرها، تستنزف ما تمت مراكمته من ثروات لشعوب المنطقة وأجيالها القادمة، كما حدث مع الحرب العراقية الإيرانية بعد طفرة النفط الأولى، والاجتياح العراقي للكويت وحرب الخليج الأولى، وصفقة ترامب عام 2017، وحرب اليمن، وإشعال ثورات استنزاف مضادة للربيع العربي، بعد طفرة النفط خلال العقد الماضي.

وقد كانت المملكة تطمح أن تُضرب إيران ويُحجم نفوذها في المنطقة بعدما أتت أميركا بخيلها وخيلائها إلى المنطقة في الصيف الماضي، ولكن الذي ضُرب هو المملكة وفي عمق منشآتها النفطية الحيوية، بينما فشلت الترسانة الأميركية الضخمة في حمايتها التي لطالما ابتز بها ترامب الملك سلمان.

ومن جهة أخرى، ترامب أيضا يضغط على المملكة ويتدخل في قرارات إنتاج النفط السعودي لصالح إعادة انتخابه، وبذلك يؤثر على منظمة أوبك ويلحق الضرر بمصالح أعضائها وتماسكها.

فمن جهة، هناك ضغوط على المملكة بصفقات أسلحة ودفع مقابل حماية ترهق الاقتصاد السعودي العليل الذي هو في أمس الحاجة إلى هذه الأموال لتمويل برامج التنويع وخلق الوظائف وتحسين الخدمات العامة ومستويات المعيشة. ومن جهة أخرى، لا يسمح للمملكة بالتأثير في رفع الأسعار للمساهمة في التعويض عن صفقات الأسلحة المرهقة، أو لتوليد الدخول اللازمة لتوازن الميزانية السعودية والإيفاء بالتزامات الإنفاق العام والتنمية وتنويع الاقتصاد.

 

فأصبحت المملكة بين مطرقة ترامب وسندان الصعوبات والتحديات الاقتصادية المتصاعدة. وعلى المستوى السياسي، لا يخفى على كل ذي لُب موقف المملكة المحابي لصفقة القرن والتطبيع مع إسرائيل.

ومع ارتفاع تكلفة الحماية اقتصاديا وإستراتيجيا على المملكة، إذ تحول دون الاعتماد على النفس والإصلاح الداخلي وبناء قدرات ذاتية تغني عن حماية أجنبية غير مضمونة الاستدامة، فالحماية زائلة يوما ما لا محالة، والنفط غير قابل للاستدامة أيضا، وكلا الأمرين يشكل تهديدا للبقاء في السلطة.. مع ارتفاع هذه التكلفة، هل تستعد العائلة المالكة في السعودية لمرحلة ما بعد النفط وزوال الحماية، بإصلاحات تبقيها في الملك وإن أخرجتها من السلطة؟