MBS metoo

توظفان الدعاة لخدمة مصالحهما.. لماذا اصطدمت الرياض بأبوظبي؟

“لم يعرف التاريخ دينا بلا دولة ولا دولة بلا دين”، العبارة جاءت في كتاب “الدين والسياسة” للداعية الدكتور يوسف القرضاوي، الذي قال فيه: إن دولة الإسلام هي دولة مدنية مرجعيتها الإسلام.

وقال القرضاوي: إن الإسلاميين يرون ضرورة الارتباط بين الدين والسياسة لأدلة شرعية وتاريخية لديهم، منها: فكرة شمول الإسلام وتعاليمه، إذ لم يدع الإسلام جانبا من جوانب الحياة إلا تعهده بالتشريع والتوجيه. لكن كيف ترى الأنظمة المستبدة الدين؟ وكيف تستخدمه لصالحها؟.

تظهر هذه الأنظمة نوعا من التنافر بين ثنائية الدين والسياسة، إلا أنها تساعد النخب في الحفاظ على بقائهم. فقد قدر “المؤشر العربي للعام 2018” الذي أصدره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، معدل المواطنين في المنطقة العربية الذين اعتبروا أنفسهم متدينين بـ65%، بينما اعتبر 21% من المستجوبين أنفسهم متدينين جدا.

وإذا كان 52% من مواطني المنطقة العربية مع فصل الدين عن السياسة، فإن 42% ضد الفصل، وهي نسبة مهمة.

 

البطاقة الرابحة

في مقاله عن “علاقة الحاكم بعلماء الدين” رأى الأكاديمي والباحث في العلوم السياسية، حكيم خطيب، أن استغلال الدين يمكن أن يحدث بشكل تحالف بين النخب الحاكمة ورجال الدين.

ويمكن أن تحصل هذه العلاقة من خلال إكراه أو استدراج النخب الدينية من قبل الأنظمة الاستبدادية أو الحاكم، فالنخب الدينية تحصل على الحماية والامتيازات، بينما في المقابل يحصل الحاكم على الدعم، الذي يتمكن من خلاله من تحصين وترسيخ موقف السلطة وكسب المزيد من الشرعية والمصداقية.

إنهم يساعدون النخبة الحاكمة، عن قصد أو بدون قصد، في خلق بُنى معرفية تحدد هويتهم، وتحدد العملية السياسية ودور الحاكم حيث أنهم في الحقيقة في عملية بناء وإعادة بناء مستمرة.

بدورها تستخدم الفئة الحاكمة “بطاقة الدين” باعتبارها دائما رابحة، وسط مجتمع يصنف نفسه متدينا، إلا أن طرق استخدام هذه البطاقة تختلف وفي الغالب تكون خفية أو بشكل غير مباشر.

وفي الوقت الذي صدرت فيه السعودية الفكر المتشدد إلى العالم عبر كتب وأشرطة مسجلة أثر على جيل بالكامل، انخرطت الإمارات في مشروع أمريكي منذ هجمات سبتمبر/ أيلول 2001، يسعى لخلق نسخة “معتدلة” من الإسلام باستثمار الصوفية، وضرب السلفية وغيرها من التيارات الإسلامية.

 

ستار الدعاة

في الوقت الذي تفتح فيه القنوات -المتحكم فيها من طرف الأنظمة- أبوابها أمام بعض الوجوه وتصنع منها دعاة مشهورين عبر برامج ترصد لها آلاف الدولارات، يقبع عدد من الدعاة في سجون السعودية ومصر.

 

ظهرت موجة من الدعاة الشباب على القنوات المصرية وتلك الممولة من الإمارات والسعودية، أطلقت عليهم وسائل الإعلام اسم “الدعاة الجدد”، تمكن هؤلاء من استقطاب الملايين وأصبح لهم تأثير كبير على فئة الشباب خصوصا.

أستاذ الإعلام بجامعة اليرموك الأردنية، محمود السماسيري، وصفهم في أحاديث صحفية بأنهم: “أقرب إلى الوعاظ منهم إلى الدعاة، وأن ما يميزهم عن غيرهم المرجعية، كون التقليديين مرجعيتهم أزهرية في أغلبها”.

وما ساعدهم على ذلك، وفق المتحدث: “طبيعة المساحة التي يتحركون فيها، وهي لا ترتبط بشكل رئيس بقضايا فقهية، وإنما بتفسير شيء من التراث وغيره”.

لكن بالمقابل لامست كثير من أحاديث هؤلاء الدعاة قضايا سياسية، لكنها غالبا ما تتسبب في سقطة مدوية، لعل أشهرها وصف عمرو خالد يوم تنحي حسني مبارك بـ”أحلى يوم في حياته”، قبل أن يرفض التعليق في مداخلة تلفزيونية على فض اعتصام “رابعة”، ما أغضب متابعيه الذين اعتبروا أن موقفه يدل على “الجبن وعدم القدرة على المواجهة”.

لا يخوض هؤلاء الدعاة في أمور السياسة بمحض الصدفة، بل هي توجيهات تملى عليهم من طرف من يجندونهم لهذا الغرض.

 

الدواء بالكي

قالت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية: إن الإمارات تعتبر الحركات الإسلامية بمثابة التهديد الرئيسي لنظامها السياسي ولأمنها القومي، ولا سيما في أعقاب ثورات الربيع العربي عام 2011.

من داخل الإسلام نفسه، وبعد أن فشلت الأفكار المضادة من خارجه في إلغائه من السياسة والمجتمع، ارتأى محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي والحاكم الفعلي للإمارات، خلق ما أطلق عليه “الإسلام المعتدل”، فكان “الدعاة الجدد” من بين مشروع “بناء شبكات الإسلام المعتدل” الذي أطلقته مؤسسة “راند” لابن زايد.

وفي كتابه “ظاهرة الدعاة الجدد”، قال الكاتب الصحفي وائل لطفي: “إن النظام السياسي كان بحاجة ملحة لطرح نمط جديد من الدعاة الجماهيريين، يسحبون البساط من تحت أقدام الجماعات الراديكالية العنيفة ذات النفوذ والقوة”.

ورأى الكاتب، أننا: “أمام تيار جديد يحمل بعض ملامح البروتستانتية الإسلامية، لكنه لا يزال في إطار تقليدي، إذ أنه يجدد في شكل الداعية، وفي الوسائط التي يستخدمها، لنقل خطابه دون أن يجدد في الخطاب نفسه”.

معتبرا أنها: “ملامح مشروع سياسي، اقتصادي وديني، قوامه تديين قوى السوق على أرضية ليبرالية سياسية”. ويلاحظ المؤلف أن هؤلاء الدعاة يعطون الانطباع بلباسهم المختلف عن الجلباب والعباءة، ببروز بروتستانتية جديدة في الإسلام.

إلا أن البروتستانتية في فرنسا مثلا في أعقاب الثورة أو في الولايات المتحدة، طورت المضمون قبل الشكل، وهو ما لم يقم به هؤلاء الدعاة، “لأنهم سلفيون للغاية، وحتى إن ركزوا على الوجه السمح للدين، فهم لا يملكون الحق في الاجتهاد ولا لديهم القدرة عليه”، حسب الكاتب.

إمساك العصا

تبنت السعودية عام 1744 دعوة محمد بن عبد الوهاب “السلفية” التي تحارب توجهات الصوفية وتعتبرها بدعا وشركيات، وقد تعتبر هذه النقطة مكمن الخلاف بين الرياض وأبوظبي.

تحركات الإمارات، تسببت في غضب المؤسسة الدينية في السعودية، التي اعتبرت أن جيرانها: “يوجهون الضربة تلو الأخرى للمشايخ السلفيين عموما والسعوديين”.

وكشفت مصادر صحفية أن: “خطباء سلفيين بارزين في السعودية، اتهموا خلال مجالس علمية ووعظية، ابن زايد بأنه يسعى لنشر الصوفية القبورية، وأنه يريد القضاء على السلفية التي تمثل أهل السنة الحقيقيين”. معتبرين أن ذلك يأتي في السياق ذاته الذي جعل الإمارات تدعم مؤتمر جروزني الذي أخرج علماء السلفية بالسعودية من إطار أهل السنة والجماعة.

وذهب رئيس هيئة كبار العلماء مفتي عام السعودية، عبدالعزيز آل الشيخ إلى حد وصف الوضع -في إحدى رسائله لولي عهد المملكة محمد بن سلمان- بـ”الانقلاب” على العلاقة بين السعودية والإمارات، معتبرا أنه اتهام: “بأننا لا نصلح لتمثيل المسلمين”.

الباحث في المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية، نبيل مولين، في مقابلة له مع صحيفة “لوبوان” الفرنسية، قال: إنه لا يمكن للسعودية أن تقطع نهائيا مع السلفية رغم الإصلاحات التي تم اتخاذها، معتبرا أن السلفية لا تزال تعد أحد أركان النظام الديني في المملكة.

وأشار مولين إلى أن فقهاء السلفية، فضلا عن الثروة النفطية، يشكلان معا أهم ركائز النظام الديني الحاكم في السعودية، موضحا أن: ابن سلمان يعي ذلك جيدا، ولذلك لا يفوته التعبير عن مدى تقديره وتعلقه برجال الدين، وتحديدا مفتي المملكة.

من جهة أخرى، يتقن ولي العهد، سبل التعاطي مع هذا الموضوع في خضم حديثه مع الصحفيين وممثلي الدول الأجنبية، إذ يعمد إلى اختيار عباراته بعناية، على حد تعبير الباحث.

ورغم أنه لا يمكن التنبؤ بتحول العلاقات بينها وبين النظام، جزم مولين في حواره مع الصحيفة الفرنسية، بأن المؤسسة السلفية لا تدين سوى بفكر واحد، كما أنه لا يمكن التشكيك في التحالف التاريخي الذي يربطها بالنظام الملكي.

وإذا كان شيوخ المملكة قد تقبلوا التغييرات التي أحدثها ابن سلمان، فإن ذلك في سبيل الحفاظ على مصالحهم المادية والدينية، بحسب المحاوَر.

وأضاف نبيل مولين أن: “السلفية قد أضحت المذهب الأكثر تشددا في الدين الإسلامي. وعندما أحس الفقهاء بأن نفوذهم مهدد، بدأوا في المقاومة، لكن لم يكن ذلك كافيا مما اضطرهم إلى التكيف مع الإجراءات التي تعارض قناعاتهم”.

Exit mobile version