أطلقت منظمات مجتمع مدني أورومية حملة جديدة على مواقع التواصل الاجتماعي لإلقاء الضوء على ما يصفونه بمأساة الأورومو الإثيوبيين في السجون السعودية، حيث قالت منظمة “إرث الأورومو للقيادة والتعليم وتنمية المجتمع” إن “الآلاف من المهاجرين الإثيوبيين (الأورومو) في السجون السعودية ما زالوا يعيشون في أوضاع مرعبة، محبوسين في زنازين مكتظة وقذرة، يتضورون جوعا ويعانون من سوء المعاملة والضرب”.

وأكدت المنظمة أن المحتجزين الإثيوبيين بسجون المملكة يحتاجون إلى رعاية طبية، وبعضهم في “خطر مميت”.

بحسب منظمات حقوقية ومتابعين؛ بدأت القصة من القوارب الخطرة التي يمتطيها مهاجرون إثيوبيون عبر البحر الأحمر وخليج عدن، تاركين بلادهم في محاولة للبحث عن فرصة للحياة والعمل بمنطقة الخليج، لكنهم يفاجؤون بأنهم بين مطرقة عصابات الإتجار بالبشر  وسندان السلطات في دول الممر والمستقر، ونتحدث بالتحديد عن اليمن والسعودية.

وهناك مجموعة من العوامل، تشمل البطالة والمصاعب الاقتصادية الأخرى والجفاف وانتهاكات حقوق الإنسان، دفعت بمئات آلاف الإثيوبيين إلى الهجرة على مدار العقد الماضي، حيث سافروا بالقوارب عبر البحر الأحمر ثم برا عبر اليمن، إلى السعودية.

وتعد السعودية ودول الخليج المجاورة لها وجهات مفضلة إليهم، نظرا إلى توفر فرص العمل فيها، حيث تسافر الغالبية بصورة غير نظامية ويفتقرون إلى الوضع القانوني لدى وصولهم إلى المملكة.

وفي اليمن، يتعرض الأورومو المقبوض عليهم من السلطات اليمنية التابعة للحكومة الشرعية أو الحوثيين لنفس الانتهاكات تقريبا، لكن الحوثيين رأوا في وجودهم فرصة لتجنيدهم كي يتحولوا إلى مقاتلين متشبعين بالمنهج الشيعي في أتون معركة الجماعة المشتعلة مع الحكومة المعترف بها دوليا والتحالف العربي الذي تقوده الرياض.

وفي أوائل فبراير/شباط الجاري، اتهمت “عرفات جبريل”، رئيسة منظمة الأورومية لحقوق الإنسان، الحوثيين بأنهم اشترطوا على الطالبات المهاجرات في صنعاء الالتحاق بالمجندات “الزينبيات” مقابل السماح لهن بخوض الامتحانات الوزارية.

أما في السعودية، فتشن السلطات حملات مستمرة لاعتقال المهاجرين الإثيوبيين في المملكة، لكن ما يحدث بعد ذلك بحقهم أمر مريع.

وتقدر “المنظمة الدولية للهجرة” أن ما يناهز 500 ألف إثيوبي كانوا في السعودية عندما بدأت الحكومة السعودية حملة الترحيلات ضدهم في نوفمبر/تشرين الثاني 2017.

وتضيف المنظمة أن السلطات السعودية رحلت نحو 260 ألف إثيوبي –أي 10 آلاف شهريا في المتوسط–  من المملكة إلى إثيوبيا بين مايو/أيار 2017 ومارس/آذار 2019.

 

كم يبلغ عدد المهاجرين الإثيوبيين بالسعودية؟

ويقول مدير إنفاذ القانون بوزارة السلام الإثيوبية، “أمباي ولدي” إن عدد المهاجرين الإثيوبيين بالسعودية الآن يبلغ نحو 60 ألف مواطن، أغلبهم دخل السجون السعودية وعاش معاناة كبيرة.

وفي سبتمبر/أيلول 2020 كشفت صحيفة “التلجراف” البريطانية أن السعودية تحتجز حوالي 16 ألف مهاجر إثيوبي في ظروف “بائسة” بمجمع سجون واحد فقط، هو مجمع “الشميسي” على طريق مكة.

وقالت إن السعودية تلاحق المهاجرين الأفارقة، وتحتجزهم في معسكرات مكتظة وتخلو من أدنى المعايير الصحية والإنسانية، وذلك في محاولة من المملكة لوقف انتشار فيروس كورونا وضربهم مما دفع عددا منهم للانتحار.

ونقلت عن القنصل الإثيوبي العام في جدة “عبده إسماعيل” قوله، إن هذا العدد لا يعد سوى طرف كرة الثلج، مشيرا إلى أن المحتجزين تم نقلهم إلى مجمع اعتقال الشميسي على طريق مكة.

وأضاف في تصريحات لهيئة الإذاعة الإثيوبية: “في جدة هناك 53 سجنا ويعتقل الإثيوبيون فيها كلها”.

وأوضحت الصحيفة أن الحراس السعوديين قاموا في هذه السجون بتفتيش الغرف بحثا عن هواتف نقالة مهربة، وقالوا إنهم جردوا من ملابسهم وقيدوا أثناء عملية التفتيش.

ويقول “آدم كوجل” الباحث في منظمة “هيومن رايتس ووتش”، إن هناك 10 مراكز احتجاز، بما في ذلك سجون، يتم استخدامها لاحتجاز المهاجرين الإثيوبيين داخل السعودية، لكن العدد الحقيقي لها غير واضح.

وينقل “كوجل” عن محتجز إثيوبي سابق بالسجون السعودية قوله إن أول مركز اعتقال قضى فيه 5 أيام ولم يحصل على طعام أو ماء في أول 24 ساعة من اعتقاله، وعندما بدأ هو وغيره بالشكوى أخذ بعضهم خارج المعتقل وضربوا، وعندما أحضر الطعام لم يكن سوى 6 صحون تشاركوها

وقال المحتجز، ويدعى “طيب” إن “الضرب كان أمرا معروفا، وكانوا يضربونك بدون أن تقول أو تفعل شيئا، ولا نعرف السبب، وكانوا يوجهون لنا اللكمات وعندما كانوا يتعبون يركلوننا، وكان الأمر مثل الرياضة”.

وذكر المعتقلون السابقون حالات انتهاك أخرى، مثل تقييد المحتجزين مع بعضهم البعض، والاعتقال في زنازين الحمامات التي تعج بالوساخات، وإجبار المعتقلين على الجلوس على البراز والتبول، وكان الطعام يرمى من نوافذ الزنازين، حيث يتقاتل السجناء للحصول على الفتات.

وأضافوا أنه تم منع المسلمين من الصلاة، وتمزيق الصلبان التي يرتديها السجناء المسيحيون، إلى جانب عدم توفر المياه الصحية أو النظافة.

وقال المعتقل السابق “عبدالرحمن سفيان” إن الحراس مشوا على ظهره ونادوه وغيره من المحتجزين بالكلاب والحيوانات.

وفي أغسطس/آب 2019، قالت صحيفة الجارديان” إن السلطات السعودية متهمة أيضا باحتجاز وترحيل القاصرين، رغم توقيع الحكومة السعودية ومصادقتها على معاهدات حقوق الطفل والتي تشترط عدم احتجاز الأطفال، بناء على وضعيتهم كمهاجرين.

ونقلت عن “محمد مرشد”، مدير مكتب “أطباء بلا حدود” في إثيوبيا: “يعتبر الأطفال من بين الألاف الذين يصلون كل أسبوع من السعودية ونحن قلقون بشأنهم لأنهم بحاجة لحماية خاصة ومساعدة اجتماعية”.

ونفت وزارة الإعلام السعودية تلك الأقاويل، وقالت: “لم يتم ترحيل الأطفال ولا يتعرض الأطفال للمعاقبة ويتم الحفاظ على الأطفال الذين لا مرافق لهم في مراكز رعاية مع الأطفال السعوديين”.

وتقول الصحيفة إنها تحدثت مع مرحلين في عمر الـ15 عاما، مع أن الوثيقة التي منحت لهم من السعودية تقول إنهم بالغين.

وتنقل الصحيفة عن عامل إغاثة إن إثيوبيا، التي تقاربت مع السعودية بعد زيارة رئيس وزرائها “آبي أحمد” إلى الرياض، في أول جولة خارجية له “لا تريد إثارة الموضوع مع السعوديين”.

شهادة أخرى لمعتقل إثيوبي بسجون المملكة، يدعى “فرويني” (25 عاما)، نقلتها “ماري فوريستر”، الباحثة والمستشارة في “منظمة العفو الدولية”، ونشرتها صحيفة “ديلي تليجراف” البريطانية في أكتوبر/تشرين الأول 2020.

وتحدث المهاجر الإثيوبي للباحثين في المنظمة عبر هاتف هُرّب إلى داخل واحد من مراكز الاعتقال، عن وفاة طفل عمره 15 سنة في مركز “الداير” ما بين جدة ومكة.

وقال: “كان نائما على الأرض مغطى بالثياب. وكان ضعيفا وباليا وهو نائم. وكان هناك ولد يعتني به وصرخنا على الحرس وأخذوه وبعد أربعة أيام شاهدت الولد ملقى على الأرض وكان ميتا ورأيت ولدا آخر ملقى إلى جانبه”.

وفي شهادة أخرى لمهاجر اتصلت به “أمنستي” واسمه “هاجوس”، قال فيها إن بعض المحتجزين عانوا من الضعف لدرجة حملهم إلى الحمامات التي كانت طافحة بالبراز ولا تعمل.

وقال آخرون إنهم منعوا محاولات البعض للانتحار داخل مراكز الاحتجاز السعودية.

وبحسب المنظمة، قال معتقلان إنهما تعرضا للتعذيب على يد الحرس باستخدام الصعقات الكهربائية، وأضاف أحدهم: “استخدموا الأدوات الكهربائية وتركت ثقبا في ملابسي وشاهدت شخصا كان ينزف من أنفه وفمه بعد ذلك”.

وقال المحتجزون إن هناك عددا من النساء الحوامل في مراكز الاعتقال.

وقالت امرأة في العشرين من عمرها وحامل في الشهر السادس، إن 30 امرأة حامل احتجزت في زنزانة بمركز جازان قرب الحدود مع اليمن. ولا تقدم لأي منهن العناية الصحية اللازمة.

وأضافت امرأة أخرى للباحثين، إن 5 أولاد صغار ماتوا في سجن الداير.

وقال مهاجر يدعى “جبريميكال”، قضى 7 أشهر في سجن جازان: “بعدما أصبحت معاناتنا معروفة حول العالم زادت وحشية حراس السجن”، وفقد أحد المعتقلين وعيه أحد الأيام وصرخنا طلبا للمساعدة ولكن بدلا من المساعدة حضر الحرس وقبضوا على 8 وأخذونا إلى غرف مختلفة. وجردونا من ملابسنا وضربونا بالهراوات”.

وأضاف: “كنت خائفا من النظر إلى جراحي ولكن تدفق شيء ساخن من ظهري جعلني أتأكد أنه دم، وقد قضينا 24 ساعة وأرجلنا مقيدة بدون ماء أو طعام، وكنت يقظا طوال الوقت، ولكن ولدا أغمي عليه، فيما تبرز آخرون على أنفسهم”.

وقال “جبريميكال”، إن الإصابة بالإسهال داخل مراكز الاحتجاز السعودية بات أمرا عاديا، وفي كل ساعة تسمع شخصا يتقيأ.

وتابع: “هناك من هم ضعاف جدا ولا يستطيعون الحديث أو الحركة ولهذا ينامون على الأرض ولا نستطيع عمل أي شيء لهم سوى الجلوس إلى جانبهم ومحاولة التخفيف عنهم وهم يموتون”.

وفي 27 يناير/كانون الثاني 2021، كشفت صحيفة “التليجراف” أن السعودية بدأت في إعادة المهاجرين الإثيوبيين الذين تم احتجازهم في سجونها منذ عام، إلى بلادهم مرة أخرى، وبذلك بعد أن تعرضوا في سجون المملكة للكثير من عمليات التعذيب والضرب المبرح.

وقالت مصادر إثيوبية للصحيفة، إن السعودية ستبدأ البلاد في إعادة ألف مهاجر كل أسبوع من المراكز، وليس من الواضح ما هو الدافع إلى هذه الخطوة، لكن الضغوط الدولية تتزايد على الحكومتين الإثيوبية والسعودية.

ووفق الصحيفة، استخدم المهاجرون هواتف مهربة، وقاموا بإرسال صور ومقاطع مصوَّرة مروِّعة لظروفهم المعيشية غير الآدمية إلى الصحيفة عبر قنوات مشفرة، حيث أثارت صور مئات الشبان المصابين بالهزال، بعضهم مصاب بجروح من جرّاء ضرب الحراس السعوديين، إدانات عالمية.

أما الصادم في معاناة المهاجرين وفق “التليجراف”، فهو اكتشاف الصحيفة محاولة الدبلوماسيين الإثيوبيين في المملكة العربية السعودية التستر على محنة مواطنيهم؛ لتجنُّب الخلاف الدبلوماسي الضار مع مستثمر رئيسي على الأرجح.

وأدت الروايات المروعة عن الانتحار والمرض والتعذيب إلى فتح تحقيق من قِبل الأمين العام للأمم المتحدة.

كما تأكدت منظمات حقوقية مثل “منظمة العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش”، من صحة الروايات.

في المقابل، صوَّت البرلمان الأوروبي لصالح إدانة المملكة العربية السعودية، لكن على الرغم من الغضب العالمي، استمرت روايات التجويع والقتل الوحشي من قِبل حرَّاس السجون في الظهور خلال الأشهر القليلة الماضية، حيث أجرت السلطات تفتيشاً جماعياً للنزلاء؛ للعثور على الهواتف المهربة.