MBS metoo

رفع السرية.. هل تخنق إدارة بايدن ابن سلمان بهجمات 11 سبتمبر بدل خاشقجي؟

بعد 20 عاما من ضغوط 3 آلاف أسرة من عائلات الضحايا، أصدر الرئيس الأميركي جو بايدن أمرا تنفيذيا في 3 سبتمبر/ أيلول 2021 يقضي برفع السرية عن “بعض الوثائق الحساسة” المتعلقة بهجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 في غضون 6 أشهر، وسط حديث عن إمكانية محاسبة النظام السعودي الذي يقوده فعليا ولي العهد محمد بن سلمان.

وبالتزامن، ألغى وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن زيارته إلى السعودية، ضمن جولته الخليجية، في 9 سبتمبر/أيلول 2021 بدعوى وجود “مسائل تتعلق بالجدول الزمني”، ثم أعلن إرجاءها “إلى أجل غير مسمى”.

رغم تبرئة المخابرات ولجنة التحقيق الأميركية للرياض من الهجمات، خلال أوقات سابقة، تتهم عائلات الضحايا التي تشن حربا قانونية شرسة، السعودية ودولا أخرى بالتورط في هذه الاعتداءات، ورفعوا 9 آلاف قضية تعويض ضد المملكة.

نواب يمينيون قالوا: إن 15 سعوديا من 19 شخصا بينهم مصريون، خطفوا الطائرات التي استخدمت في الهجمات التي أوقعت 2973 قتيلا و24 مفقودا، وزعموا وجود وثائق سرية تؤكد دعم مسؤولين سعوديين لبعض الخاطفين، رغم تبرئة التحقيقات الأميركية للسعودية.

لكن ظلت الإدارات الأميركية المتعاقبة تتذرع بحماية أسرار الدولة لفرض السرية على بعض من هذه الوثائق غير المنشورة، مما طرح تساؤلات حول أسباب السرية، إلا أن سعوديين اعتبروا أن الهدف هو ابتزاز بلادهم، والسعي للحصول على تعويضات بنحو تريليون دولار، هي حجم أموال السعودية في بنوك وشركات أميركا.

 

أمر تنفيذي غامض

كان ملفتا تأكيد “الأمر التنفيذي” الذي أصدره بايدن بشأن حق الشعب الأميركي “الحصول على صورة كاملة لما تعرفه حكومته بشأن تلك الهجمات”، أنه لن يتم كشف كل هذه الوثائق بدعوى “مصلحة الأمن القومي الأميركي”.

واعتبر القرار أن “الإفراج العشوائي عن المعلومات يمكن أن يعرض الأمن القومي للخطر والقدرة على منع الهجمات المستقبلية”، لذا دعا إلى “تحقيق توازن أفضل بين الشفافية والمساءلة”.

وأكد بايدن في الأمر التنفيذي: “يجب ألا تظل المعلومات سرية إذا كان هناك شك كبير حول الحاجة إلى الحفاظ على وضعها السري، وألا تظل سرية لإخفاء انتهاكات القانون”.

ويدرك بايدن أن عليه التزامات وعد بها ناخبيه الذين أوصلوه بصندوق الانتخابات للبيت الأبيض، وأنه وإن أخلف وعوده فيما يخص قضايا خارجية، فهو ملزم بالحذر في القضايا الداخلية، ومنها وعده رفع السرية عن وثائق “هجمات 11 سبتمبر”.

غير أن معارضته الضغوط الشعبية لكشف الوثائق قد تضيع بما تبقى له من مصداقية لدى الشعب الأميركي، بعد فضيحة الانسحاب من أفغانستان وتراجعه عن وعوده فيما يخص حماية حقوق الإنسان ومواجهة الحكام الديكتاتوريين، وفق مراقبين.

وربما يعول بايدن على إنهاء قصة هذه الوثائق السرية والجدل المصاحب لها حول دور السعودية، ضمن سعي إدارته لغلق ملفات معلقة من الإدارات السابقة منذ سنوات طويلة مثل أفغانستان.

لهذا رحبت سفارة الرياض لدى واشنطن، بالإفراج عن الوثائق السرية آملة أن “يؤدي الكشف التام عن هذه الوثائق لدحض المزاعم الواهية تجاه المملكة مرة واحدة وللأبد”.

وقد تكون أيضا محاولة من البيت الأبيض لشغل الرأي العام الأميركي بـ”11 سبتمبر” ونسيان قرار الانسحاب من أفغانستان، والضغط على ابن سلمان بعقوبات قانون “جاستا”، بدل قضية الصحفي جمال خاشقجي التي تراجع عنها بايدن، وبما يسمح للأسر الأميركية بالحصول على تعويضات ولو رمزية.

وبأغلبية ساحقة، أقر الكونغرس في 28 سبتمبر/أيلول 2016 قانون “العدالة ضد رعاة الإرهاب” المعروف بـ”جاستا” رغم الفيتو الذي استخدمه وقتها الرئيس السابق باراك أوباما ورغم الضغوط والتهديدات السعودية والخليجية من أجل عدم تمرير القانون الذي يسمح لعائلات “ضحايا 11 سبتمبر”، بمقاضاة دول ينتمي إليها منفذو هذه الهجمات، وغالبيتهم من السعودية.

ورفع السرية عن الوثائق ليس هدفه “تعزيز الشفافية” كما تزعم إدارة بايدن، وإنما محاولة لتدوير السعودية مرة أخرى في السياسة الأميركية كمركز ديني لمحاربة الإسلاميين والترويج لنموذج “الإسلام المعتدل” الأميركي، بحسب متابعين.

ولا يخفي الأميركان سعادتهم بما يفعله ابن سلمان من تحويل المملكة إلى ما يشبه “لاس فيغاس” بمهرجانات الترفيه وتقييد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعتبرون هذا تطورا مهما يروج لمفهومهم عن “المسلم المعتدل”.

وفي 11 ديسمبر/كانون الأول 2006، أصدرت مؤسسة “راند” الأميركية التابعة للقوات الجوية تقريرا بعنوان “بناء شبكات مسلمة معتدلة” يحدد الأطر الفكرية للمواجهة مع العالم الإسلامي عقب أحداث 11 سبتمبر.

وقدم التقرير توصيات محددة للحكومة الأميركية بـ”دعم قيام شبكات وجماعات تمثل التيار العلماني والليبرالي في العالم الإسلامي لكي تتصدى لأفكار وأطروحات التيارات الإسلامية الحقيقية”.

وركزت على مفهوم “المسلم المعتدل” و”الاعتدال” بالمفهوم الأميركي، بمعنى المسلم الذي يؤدي الشعائر لكنه لا يلتزم بالشريعة الإسلامية، أي يصلي ويصوم ولكنه يتناول الخمور ويصاحب الفتيات ويمارس الجنس خارج إطار الزواج.

 

المصالح أم القيم؟

قبل أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة، أكد بايدن في حملاته الانتخابية أن إدارته ستركز على القيم والمبادئ الأميركية، مثل الحريات وحقوق الإنسان قائلا: “سأعاقب القادة السعوديين على مقتل خاشقجي”.

وعندما سئل في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 عما إذا كان سيعاقب السعودية قال بحزم: “نعم، لقد قتل خاشقجي وتم تقطيع أوصاله، وأنا أؤمن أنه تم بأمر من ولي العهد”.

وأضاف: “أود أن أوضح أننا لن نبيع لهم المزيد من الأسلحة، وسنجعلهم في الواقع يدفعون الثمن ونجعلهم منبوذين فعليا كما هم الآن”.

وفي بداية توليه الرئاسة، سمح بنشر تقرير للاستخبارات الأميركية في 11 فبراير/شباط 2021، يشير بأصابع الاتهام لولي العهد ابن سلمان، وأوقف مبيعات الأسلحة الأميركية للسعودية، ثم أعادها لاحقا.

وبدلا من معاقبة ابن سلمان بشكل مباشر، عاقب مسؤولين من المستويات الأدنى، وبدأ مسؤولو البيت الأبيض يتحدثون عن المصالح، وأنهم يريدون “إعادة ضبط العلاقات مع السعودية وليس قطعها”.

وبرروا هذا بأنها “أكبر مشتر للأسلحة الأميركية”، مؤكدين “صعوبة استهداف ابن سلمان بمعزل عن آل سعود”، و”أهمية الرياض للاستقرار الإقليمي”، وفق صحيفة واشنطن بوست في 18 أبريل/نيسان 2021.

المتحدثة باسم البيت الأبيض، جين بساكي، دافعت في تصريحات صحفية نشرت 28 فبراير/ شباط 2021، عن سياسة بايدن النفعية بقولها: إن مهمة الرئيس هي “العمل من أجل المصلحة الوطنية للولايات المتحدة وهذا بالضبط ما يفعله”.

وفي إشارة لمصالح بلادها مع السعودية، قالت: “الدبلوماسية معقدة”، منوهة ضمنا لتناقض إدارة بايدن بين مزاعم الدفاع عن القيم وحقوق الإنسان، وبين تقديم مصالح أميركا على هذه القيم.

لهذا قالت هيئة تحرير موقع “STL Today” الأميركي الإخباري في 10 مارس/آذار 2021: “حصل ابن سلمان مجددا على بطاقة تبرئة من بايدن، بعد أن توعد بجعله شخصا منبوذا”.

وقالت: إن “عواقب معاقبة السعودية تفوق قيمة الدفاع عن العدالة وحقوق الإنسان”، ووصفت ذلك بأنه “نفاق وحقيقة محزنة لن تغير كسياسة أميركية رسمية”.

“لغة المصالح” ظهرت أيضا خلال مقابلة بايدن مع شبكة “ABC” الأميركية في 18 مارس/آذار 2021 حين قال: إن “التصرف ضد شخصية من العائلة المالكة السعودية سيكون عملا غير مسبوق دبلوماسيا لواشنطن”.

وأضاف: “بحسب علمي، لم تقم أميركا قط عندما كان لديها تحالف مع دولة ما أن نذهب إلى رأس الدولة ونقوم بعقاب ذلك الشخص ونبذه”.

وتكرر هذا الفصام في الشخصية السياسية الأميركية خلال تعامل إدارة بايدن مع نظام عبد الفتاح السيسي في مصر.

وحين سأل صحفي متحدث الخارجية الأميركية نيد برايس في 11 مارس/آذار 2021 عن تناقض موقف إدارة بايدن الفعلي في التعامل مع السيسي، قال: إنه “لا تناقض ولا شيكات على بياض للديكتاتور”، لكنه عاد ليقول: إن بيع السلاح “يحقق مصالح بلاده!”.

المتحدث الرسمي لخص الموقف الأميركي بقوله: “هذان الأمران، ليسا منفصلين، إنهما مرتبطان ارتباطا وثيقا، إذا لم نتمسك بقيمنا، وإذا لم نلتزم بحقوق الإنسان، فنحن لا نتمسك بمصالحنا، يمكننا القيام بالأمرين معا!”.

 

مستقبل العلاقات

في 2 سبتمبر/ أيلول 2021، نشرت “جمعية الدراسات السياسية” الأميركية دراسة تؤكد أن الغرب وأميركا في حيرة لأنهم يقدمون ابن سلمان عموما بصورة “المصلح” العربي والحليف المثالي، ولكنهم يساعدون بذلك الدعم على إضفاء الشرعية على الأنظمة الخليجية “الاستبدادية”، ولا يهمهم سوى تحقيق مصالحهم.

هذا الأمر جعل العلاقات الأميركية السعودية على مدى السنوات العشرين الماضية تعاني من “إشكالية الازدواجية”.

وذكر “ميدل إيست إي” أنه “ربما لن تعود العلاقات أبدا إلى مستويات الدفء التي كانت سابقا، إذ لم تعد أميركا تثق بالنظام السعودي، ولا السعوديون يثقون بها”.

وأكد الموقع الأميركي في مقال نشره في 7 سبتمبر/أيلول 2021 أن “السعودية باتت أكثر قلقا من زعزعة الولايات المتحدة استقرار نظامها الملكي، خصوصا في ظل فشلها في الدفاع عن نفسها ضد التهديدات الخارجية”.

الباحث بمركز التعاون الدولي بجامعة نيويورك، جيمس تروب، أكد أيضا في مجلة” فورين بوليسي” الأميركية 7 سبتمبر/ أيلول 2021 أن “إشكالية العلاقات هي الحيرة الأميركية بين القيم والمصالح”.

وتساءل: هل يهتم بايدن بحقوق الإنسان في سياسته الخارجية؟ مجيبا: “نعم، ولكن سيتجاهل الانتهاكات التي ترتكبها هذه الدول”.

واعتبر تروب أن أزمة أفغانستان “مؤشر سلبي” على مدى عدم التزام بايدن بحماية حقوق الإنسان في سياسته الخارجية.

وأوضح أن بايدن انتقد بشدة انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية حين كان مرشحا للرئاسة، ثم عاد ليخطب حول “الدفاع عن “المصالح الوطنية الحيوية للولايات المتحدة”، متسائلا: “لمن يعطي الأولوية: حقوق الإنسان أم مصالح أميركا؟”.

وأمام هذه المعطيات، تتمثل المعضلة الأميركية في حقيقة أن الملك سلمان بن عبد العزيز أضعف من أن يلعب دورا فاعلا وعمليا في الإدارة اليومية للمملكة، لذلك من الناحية العملية، على واشنطن أن تتعامل مع ابنه ولي العهد لعدة عقود مقبلة سواء كانت ترغب بذلك أم لا.

لكن أميركا، وبقية الحلفاء الغربيين يرون ابن سلمان شخصا غير مرحب به وسمعته “غير حميدة” بسبب سياساته الهوجاء في اليمن وانتهاكات حقوق الإنسان الواسعة التي توجها بقتل وتقطيع خاشقجي عام 2018.

السعوديون أيضا يشعرون بعدم الارتياح الشديد تجاه فريق البيت الأبيض، حتى أن القيادة السعودية انتظرت عدة أيام لتهنئة بايدن بفوزه في الانتخابات، لكن ليس أمامهم بديل عن الحماية الأميركية، يقول خبراء.

ويؤكد مراقبون أن “وثائق 11 سبتمبر” لن تغير الكثير من حقائق السياسة بين واشنطن والرياض فكلاهما يحتاج الآخر، وكلاهما يخشى إيران، وكلاهما يبحث عن المصالح لا القيم أو المبادئ وحقوق الإنسان.

أما الأهم من كل ذلك فهو خشية أميركا من محاولة موسكو استغلال الخلاف مع السعودية، أو انسحاب أميركا من المنطقة وتزايد القلق السعودي، من أجل تعميق العلاقات معه.

وبحسب تقرير نشره موقع “responsible statecraft 5” الأميركي في سبتمبر/ أيلول 2021 فإن “واشنطن تخشى زيادة صفقات السلاح الروسية في المنطقة، حيث تتجه دول تجاه روسيا رغم إنها ليست أكثر التزاما من أميركا”.

وفيما بدا كمحاولة سعودية للتلويح بإصبع تحذير للولايات المتحدة، وقعت روسيا اتفاقيات تعاون دفاعي مع السعودية في 25 أغسطس/آب 2021، دون الكشف عن تفاصيلها.

وردت أميركا بتحذير الرياض في 2 سبتمبر/ أيلول 2021 من “عقوبات” بموجب “قانون كاستا” الذي يعاقب من يشتري أسلحة روسية.

Exit mobile version