ليس من جديد القول إن الصحف ووسائل الإعلام المختلفة في المملكة العربية السعودية لا تملك أن تتحدث بما يخالف رأي السلطة الحاكمة؛ فمنظمات حقوقية دولية تتحدث عن الزج بأصحاب الرأي المخالف في سجون المملكة، وإن كانوا أصحاب مكانة رفيعة، والأمثلة عديدة في هذا الخصوص.

لكن قضية إسلامية عربية مصيرية مهمة مثل القضية الفلسطينية لا بد أن تأخذ مساراً آخر في التعاطي معها وطرحها بعيداً عن رأي السلطة، خاصة من قبل كتاب مقالات الرأي، وهذا ما لم يكن له وجود فيما يعبر عنه كتاب الصحف السعودية.

الحديث عن “صفقة القرن” لم يتوقف منذ أن أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 28 يناير الماضي، وكان يمهد لإعلانها منذ نحو عامين.

وعلى الرغم من أن الخريطة التي حددتها خطة ترامب لتكون مناطق خاصة للفلسطينيين أثارت غضباً عربياً وإسلامياً واسعاً تحدثت عنه مختلف وسائل الإعلام العربية والإسلامية، عادّة إياه تجاوزاً بحق الفلسطينيين والمقدسات الإسلامية، لكن الكتاب السعوديين اتخذوا مسلكاً آخر في كتاباتهم.

المسلك الذي اتخذه الكتاب السعوديون في طرح آرائهم جاء وفق ما طرحته الرياض حين سارعت لتقدير جهود الرئيس ترامب في “صفقة القرن” بعد ساعات من إعلانها، داعية في بيان لخارجيتها، إلى بدء مفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بحسب وكالة الأنباء الرسمية “واس”.

وجددت الخارجية السعودية دعمها “كافة الجهود الرامية للوصول إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية”.

وأضافت أن المملكة تقدّر الجهود التي تقوم بها إدارة الرئيس ترامب لتطوير خطة شاملة للسلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.

وأردفت: “كما تشجع بدء مفاوضات مباشرة للسلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي تحت رعاية الولايات المتحدة، ومعالجة أي خلافات بخصوص الخطة عبر المفاوضات”.

وفي متابعة حول تعاطي الكتاب السعوديين مع “صفقة القرن” توضح أن الآراء تشير إلى أن على الفلسطينيين القبول بالصفقة وبدء حياة جديدة أساسها القبول بواقع الحال الذي تفرضه “إسرائيل” والولايات المتحدة.

 

لـ”صفقة القرن” إيجابيات!

“نوقّعها ونلعنها”، مقال للكاتب السعودي أحمد عدنان في صحيفة “عكاظ” أكد فيه أن لـ”صفقة القرن” نقاطاً إيجابية.

ومن النقاط الإيجابية التي أدرجها أن “القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية”، وأن “القدس مدينة آمنة ومفتوحة لكل الديانات”، ومن إيجابياتها أيضاً -وفق عدنان- “قدمت إسرائيل لأول مرة خريطة بالأراضي المستعدة لإخلائها”.

واستطرد قائلاً: “ربط الدولة الفلسطينية بجسور وطرق وأنفاق بين الضفة وبين قطاع غزة”، مضيفاً: “توفير 50 مليار دولار للفلسطينيين لتأسيس اقتصاد مزدهر ومستقر”، وأيضاً “بناء على تصريح المستشار كوشنر إعادة اللاجئين إلى الدولة الفلسطينية”، بالإضافة إلى أن “هناك فرصة لتحسين الصفقة من خلال التفاوض المباشر”.

كل تلك النقاط هي “إيجابيات” بحسب رأي الكاتب السعودي، الذي أضاف موجهاً نصيحته للسلطة الفلسطينية: “وقعوا على الصفقة ثم العنوها كما شئتم ليل نهار”.

وينصح عدنان بعدم النظر إلى “نصف الكأس الفارغة”، مستطرداً بالقول: “فالتسوية مثل أي تسوية على مر التاريخ؛ فيها السلبي وفيها الإيجابي”.

في صحيفة عكاظ أيضاً وتحت عنوان: “صفقة القرن.. خذ وطالب”، تساءل الكاتب السعودي طارق الحميد في مقاله قائلاً: “لماذا يصر الفلسطينيون على مقارنة الخطة بالخيال، وليس مقارنة الخطة بالواقع؟”.

وأضاف: “لا أحد يطالب الرئيس عباس بقبول المبادرة فقط، وإنما المطلوب هو التعقل، والذكاء السياسي”، مشدداً بالقول: إن “على عباس ورجاله تأمل الواقع، وتذكر مقولة الراحل الرئيس الحبيب بورقيبة ببيروت 1965، حين دعا الفلسطينيين للأخذ بسياسة خذ وطالب”.

وفي ختام مقاله رأى أن الأصوب هو قبول الفلسطينيين بصفقة القرن، قائلاً: “إن لم يفعل عباس فذلك هو الخطر الكبير”.

 

صفقة تجارية رابحة!

طلال الحربي، وفي مقاله بصحيفة “مكة” المعنون بـ”صفقة القرن.. هل يكون الرفض مقدمة القبول؟”، يرى أن “صفقة القرن” أشبه بالصفقة التجارية، وأن مشاركة الفلسطينيين فيها تعود عليهم بالربح!

وقال: “إنها صفقة، وللصفقة أطراف، ولكي تتم لا بد أن توافق كل الأطراف، لعل الجديد في طرحها أنها مختلفة عن مبادرات سلام سابقة، الصفقة هنا اختصرت الأطراف بطرفين؛ هما الفلسطينيون والإسرائيليون، ومن ثم لكي تتم لا بد أن يوافق الطرفان”.

واستطرد يقول: “من عالم المال والأعمال الذي يتقنه الرئيس الأمريكي بامتياز فإن أي صفقة ناجحة لا بد أن يكون أطرافها كلهم رابحين وإن اختلفت النسب”.

وأضاف: “فيما يتعلق بموقف السلطة الفلسطينية؛ ألم يكن الأجدر أن تقدم رأيها ومقترحاتها وترد الصفقة إلى ترمب بتفاصيل جديدة (قديمة بشهادة أوسلو)”.

وتابع: “هذه صفقة وترامب يفهم أنه في كل صفقة لا بد من أخذ ورد، لكن الرفض المجمل التفصيلي للفكرة نفسها حقيقة لا أراه منطقياً؛ لأن أوسلو وواي ريفر وغيرها كانت كلها صفقات تمت بموافقة الأطراف المشتركة، وهذه كتلك، المهم أن ترد بفكرة وليس برفض مطلق”.

زميل الحربي في صحيفة مكة، الكاتب السعودي زيد الفضيل، يرى أنه من الأجدر عدم رفض “صفقة القرن”؛ إذ يعتقد أنه قد يكون فيها ما ينفع، وذلك في مقاله المعنون بـ”الصراطات المستقيمة وصفقة القرن”.

وتساءل الفضيل قائلاً: “كيف يمكننا أن نواجه خطة رامية إلى إسقاط حق سياسي أصيل لشعبنا في فلسطين ونحن لا نزال نعيش أزمة في فهم بعضنا البعض، واستيعاب آراء من يخالفنا، ومحاولة تأملها؟”.

وأضاف: “فربما يكون فيها جانب من حق نفتقده، ثم إذا أردنا مناقشتها فليكن ذلك بهدوء بعيداً عن صخب العامة وتصفيق الجماهير”.

 

إبداء حسن النية

في صحيفة “الشرق الأوسط” كتب الإعلامي السعودي عبد الرحمن الراشد مقالة بعنوان “لو عادت المفاوضات”، نصح فيها الفلسطينيين بقبول “صفقة القرن”.

يتساءل الراشد قائلاً: “هل القبول بدعوة ترامب يعني أن المطلوب من السلطة الفلسطينية التوقيع على شيك أبيض؟”.

وقال مجيباً عن تساؤله: “بالتأكيد لا. المتوقع الجلوس والحوار وإبداء حسن النية، ولن يفرض أحد حلاً لا يريده الفلسطينيون”.

وأضاف: “هكذا يفعل الإسرائيليون مع أنهم أقل رغبة في التفاوض على الوضع القائم؛ لأنه يمنحهم الأرض والحكم. هم يتعاملون بإيجابية مع ترامب، الذي قد يعاد انتخابه رئيساً، ويملك سلطة هائلة، التي قد يسخرونها لصالحهم، أو على الأقل يقللون من أضرارها عليهم”.

الأمر نفسه يراه الكاتب السعودي سلطان عبد العزيز العنقري، الذي كتب في صحيفة “المدينة” مقالاً حمل عنوان: “صفقة القرن.. وما أدراك ما صفقة القرن؟!”.

يقول العنقري: إن “السلطة الفلسطينية عليها أن تمشي وفق المبدأ خذ وفاوض وطالب، مع دولة مغتصبة مدعومة بالكامل من جميع الدول العظمى”.

ويرى أن هذا المبدأ أفضل “من الرفض الكامل”، الذي يصفه بأنه “قد يؤخر أو يجمد أو يلغي قيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية”.

وفي مواقع التواصل الاجتماعي لا يتوقف كتاب سعوديون عن مطالبة الفلسطينيين بقبول “صفقة القرن”، معتبرين أن الطرف الآخر يملك من القوة والقدر ما يمكّنه من القضاء على أي وجود مستقبلي لدولة فلسطينية.

وتستجلب مثل هذه الآراء -لا سيما في موقع “تويتر” إن كانت تطرح من قبل كتاب معروفين- الكثير من ردود الفعل الغاضبة.

آخر أكثر الآراء التي طرحت في “تويتر” حول “صفقة القرن” ولقيت ردود فعل كبيرة كانت للكاتب في صحيفة “الجزيرة” محمد آل الشيخ.

وقال آل الشيخ: “الذين وقفوا ضد خريطة السلام الأمريكية لا يملكون خياراً آخر؛ لأن أمريكا تملك كل خيوط اللعبة وبإمكانها إيذاء الآخرين لو تمردوا”.

وأضاف متسائلاً: “فهل يطلب الفلسطينيون من الدول العربية التضحية بمصالحها وتنميتها ونصرتهم؟”.

الذين وقفوا ضد خريطة السلام الامريكية لا يملكون خيارا آخر لان امريكا تملك كل خيوط اللعبة وبإمكانها ايذاء الآخرين لو تمردوا، فهل يطلب الفلسطينيون من الدول العربية التضحية بمصالحها وتنميتها ونصرتهم؟

الذين وقفوا ضد خريطة السلام الامريكية لا يملكون خيارا آخر لان امريكا تملك كل خيوط اللعبة وبإمكانها ايذاء الآخرين لو تمردوا، فهل يطلب الفلسطينيون من الدول العربية التضحية بمصالحها وتنميتها ونصرتهم؟

وكان ترامب كشف، في 28 يناير الماضي، لأول مرة عن البنود الأساسية للخطة التي وضعتها إدارته بشأن تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، المعروفة إعلامياً بـ”صفقة القرن”، وذلك في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في البيت الأبيض.

وتتضمن الخطة الأمريكية للسلام إقامة دولة فلسطينية متصلة في صورة أرخبيل تربطه جسور وأنفاق تسيطر عليها إسرائيل، مع جعل مدينة القدس المحتلة عاصمة موحدة مزعومة لإسرائيل، في حين تقام عاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية في بلدة أبو ديس (شرق القدس).

وتقترح خطة ترامب ضم جميع “إسرائيل” للمستوطنات في الضفة الغربية، وكذلك وادي الأردن الواقع شرق الضفة، الذي تحتله إسرائيل منذ عام 1967، فضلاً عن إجبار الفلسطينيين على الاعتراف بـ”يهودية إسرائيل”، وهو ما يعني ضمنياً شطب حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وأراضيهم التي هُجِّروا منها عام 1948.