زيارة وفد من القيادات اليهودية في الولايات المتحدة إلى السعودية أعاد إلى الواجهة مجددا الحديث عن مدى احتمالية تطبيع الرياض مع الاحتلال الإسرائيلي، لا سيما أن هؤلاء عقدوا اجتماعات مع كبار المسؤولين وأفراد من العائلة المالكة في المملكة.

وفي نهاية عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلنت عدد من الدول العربية (الإمارات، البحرين، السودان، والمغرب) عام 2020 تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي وتبادل البعثات الدبلوماسية، ضمن ما يسمى “اتفاقيات أبراهام” التي رعتها واشنطن.

أما السعودية فقد صرح وزير خارجيتها، فيصل بن فرحان، في أغسطس/آب 2021 أن تطبيع العلاقات المحتمل مع إسرائيل سيعود بـ”فائدة هائلة” على المنطقة، لكنه اعتبر أن إبرام اتفاق مماثل مع المملكة يعتمد على التقدم في مسار السلام الإسرائيلي الفلسطيني.

 

“خطوات سعودية”

الوفد اليهودي الذي وصل إلى الرياض بدعوة من السلطات السعودية يتألف من 20 شخصية، وعقد اجتماعات مع كبار المسؤولين في الرياض، بمن فيهم 6 وزراء على الأقل وأفراد من العائلة المالكة، حسبما كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية.

وأوضحت الصحيفة العبرية خلال تقرير لها في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2021 أن الزيارة كذلك كانت بمباركة من الإدارة الأميركية، بعد زيارة للإمارات، من أجل تعزيز العلاقات عقب اتفاقيات التطبيع.

ونقلت “يديعوت أحرونوت” عن رجل الأعمال اليهودي الأميركي، فيل روزين، وهو أحد المشاركين في الزيارة قوله: “إن السعوديين يجهزون مواطنيهم للتطبيع مع إسرائيل، وهم يرونها قوة إقليمية ومعجبون بقدرتها على الدفاع عن نفسها ضد إيران العدو المشترك”.

وتابع فيل روزين قائلا: “لن أكون متفاجئا إذا رأينا التطبيع بين السعودية وإسرائيل في الأشهر أو السنة المقبلة”.

وأشارت الصحيفة إلى أن روزين صديق شخصي لرئيس حكومة الاحتلال السابق، بنيامين نتنياهو، وقال إن “المملكة اتخذت خطوات صغيرة مختلفة نحو التطبيع، من بينها فتح المجال الجوي للرحلات التجارية الإسرائيلية”.

كما زعم روزين في حديثه للصحيفة العبرية أن “الرياض أجرت محادثات سرية مع واشنطن من أجل الانضمام لاتفاقيات التطبيع، وأنه لولا مباركة المملكة لما وقعت الإمارات والبحرين الاتفاقية”.

وبخصوص السبب وراء عدم تطبيع السعودية حتى الآن، وما إذا كان الأمر يتعلق باشتراطهم حدوث انفراج في القضية الفلسطينية قال روزين للصحيفة: “برأيي أن السعوديين لن يشترطوا التطبيع مع الفلسطينيين، إنهم ينتظرون اللحظة المناسبة”.

من جهته، رأى الكاتب الفلسطيني مصطفى إبراهيم أن “الإدارة الأميركية تعمل بشكل حثيث نحو تعزيز العلاقة مع السعودية للسير نحو التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، واللحاق بركب دول التطبيع الجديدة التي وقعت اتفاقيات أبراهام”.

وتابع الكاتب خلال مقال نشره موقع “معا” في 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2021 قائلا: “يتضح ذلك من إصرار دولة الاحتلال ومثابرتها على توطيد العلاقات مع السعودية والاستجابة العالية من قبل إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن”.

ولفت إلى أن “التطبيع العربي مع دولة الاحتلال ترفضه الشعوب العربية وتدينه وتستنكره، وتعتبره فعلا شائنا؛ سواء كان علنيا أو سريا، بما في ذلك في الدول العربية التي وقعت على اتفاقيات تطبيع منذ نصف قرن وتصفه دولة الاحتلال بالتطبيع السلبي”.

وخلص إلى أن انضمام السعودية إلى “اتفاقيات أبراهام”، التي تعتبر تحالفا إقليميا مع دولة الاحتلال، دون رفضها تطبيع الإمارات والبحرين والسودان، من شأنه أن يشجع دولا عربية على التطبيع مع دولة الاحتلال التي تحتل فلسطين وتتنكر لحقوق الفلسطينيين.

 

“معبد لليهود”

وفي السياق ذاته نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تقريرا في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021 عن محاولات الحاخام اليهودي، يعقوب يعقوب يسرائيل هيرتزوغ، فتح معبد يهودي في السعودية، قائلة إن المملكة ليست مهتمة بعروضه، لكنه مستمر في المحاولة.

وقالت الصحيفة إن الحاخام الذي زار الرياض في شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2021 أثار دهشة الكثيرين، لافتة إلى أن “المواطنين أوقفوه لأخذ الصور معه عندما كان يتجول أو يشتري الثوب السعودي التقليدي”.

ويعود قرار السماح له بالعمل وفتح مدرسة ومساعدة المجتمع اليهودي، بما في ذلك فتح كنيس، إلى الحاكم الفعلي ولي العهد محمد بن سلمان، حيث علق هيرتزوغ بعد رفض السلطات السعودية طلبه: “أتفهم أن هذا يعتبر قفزة كبيرة بالنسبة للمملكة”.

وأكدت السفارة السعودية في واشنطن أن هيرتزوغ دخل السعودية كسائح.

وقال مسؤول: “مع أن السعودية تدعو للحوار الديني والتقت قيادتنا بعدد من القادة الذين يمثلون أديانا مختلفة لدعم هذه الجهود، فزيارة هيرتزوغ إلى المملكة جزء من هذه الجهود”، حسبما نقلت الصحيفة.

وترى أن وجود حاخام يهودي في أرض الحرمين يبدو أمرا غير مفكر فيه وغريبا، فبعد أن فتحت إسرائيل علاقات دبلوماسية مع دول خليجية وعربية، غير السعودية، بدأت المجتمعات اليهودية في هذه البلدان تمارس شعائرها الدينية علنا.

ويحمل هيرتزوغ الجنسية الأميركية- الإسرائيلية المزدوجة، ويعتقد أن السعودية ستكون البلد القادم، حيث تشجع بتعهدات محمد بن سلمان تخفيف القيود الاجتماعية وجذب المواهب الأجنبية، وقال: إن “خطط الأمير بناء مدينة المستقبل التكنولوجية في نيوم على البحر الأحمر قد تؤدي لجذب اليهود للعمل فيها”.

وحاول هيرتزوغ لقاء رجال الأعمال الذين يعتقد أنهم على علاقة قريبة مع العائلة المالكة، والتواصل مع مستشار للحكومة السعودية في واشنطن لطرح الفكرة.

وطلب من السفارة الأميركية في السعودية التطوع إلى جانب الجنود الأميركيين العاملين في المملكة وربطه باليهود الأميركيين في المملكة.

لكنها رفضت عرضه وطلبت منه الاتصال بالسفارة السعودية في واشنطن.

وسأل هيرتزوغ إن كانت شركات الطعام في الرياض تستطيع إنتاج طعام الكوشير (الطعام المباح أكله في الشريعة اليهودية)، وقيل له إن السوق صغير وجديد ولا يمكن تسويق تلك المنتجات.

ونقلت الصحيفة الأميركية عن دبلوماسي (لم تكشف هويته) قوله: إن المملكة لا تزال بعيدة عن الانضمام للدول التي طبعت علاقاتها مع إسرائيل.

فالعاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز لا يزال يعارض التطبيع بدون دولة فلسطينية مستقلة.

ويرى قادة يهود في الخليج أن طريقة هيرتزوغ العلنية قد تؤثر على عمل حذر وطويل. ونقطة أخرى أن المجتمع اليهودي في السعودية خفي ولم يطلب تعيين حاخام مثل هيرتزوغ، وفقا للصحيفة.

ويهدف هيرتزوغ إلى التحضير عندما يحدث هذا لبناء جسور مع القيادة السعودية. وفي فيديو أعادت نشره وزارة الخارجية الإسرائيلية في تغريدة لها صلى هيرتزوع لولي العهد بعدما أجرى عملية جراحية بسيطة.

 

تطبيع بثمن

وقبل ذلك كشف موقع “أكسيوس” الإخباري الأميركي أن مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض، جيك سوليفان، بحث قضية التطبيع مع إسرائيل خلال اجتماعه الأخير مع ولي العهد السعودي.

ونقل الموقع عن ثلاثة مصادر أميركية وعربية في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2021 القول إن “سوليفان أثار القضية في اجتماع جرى في 27 سبتمبر/ أيلول 2021 بمدينة نيوم السعودية”، مشيرة إلى أن “ابن سلمان لم يرفض الموضوع بشكل قاطع”.

ووفقا لتقرير “أكسيوس”، فإن السعوديين قالوا إن التطبيع مع إسرائيل سيستغرق بعض الوقت وأعطوا سوليفان قائمة بالخطوات التي يجب اتخاذها قبل الشروع به.

من بين هذه الخطوات تحسين العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والسعودية، بحسب مصدر أميركي.

ويرجح الموقع أن تكون أي خطوة سعودية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل “جزءا من صفقة أكبر يمكن أن تشمل خطوات إسرائيلية بشأن القضية الفلسطينية وأخرى أميركية لاستعادة العلاقات مع محمد بن سلمان، الذي رفض الرئيس الأميركي جو بايدن التعامل معه بشكل مباشر”.

وتعليقا على ذلك، يرى الكاتب والمحلل السياسي السعودي سلمان الأنصاري خلال تصريحات صحفية في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 2021 أن “السعودية لن تذهب باتجاه التطبيع من دون ثمن”، لافتا إلى “مجموعة من النقاط التي يجب أن تتوفر قبل أن تحذو الرياض حذو الدول التي وقت اتفاقية أبراهام”.

وأكد الأنصاري أن “السعودية لم ولن تطبع علاقاتها مع إسرائيل بالمجان، وليس عندي في ذلك أدنى شك”، مشيرا إلى أن “المملكة رمت الكرة في ملعب القيادة الإسرائيلية بعد أن سمحت لبعض دول المنطقة بالتطبيع، وهذه بادرة إيجابية قد تساعد في عملية بناء الثقة في المنطقة”.

وتابع الأنصاري وهو مؤسس ورئيس “لجنة شؤون العلاقات العامة السعودية الأميركية” ومقرها واشنطن أن “الرياض، التي تمتلك ثقلا في المنطقة لن تطبع على المدى المنظور بلا أي خطوة إسرائيلية إيجابية حقيقية بخصوص حل الدولتين أو إعطاء الفلسطينيين حقهم التاريخي والإنساني”، وفق تعبيره.

وكان وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو قد وجه دعوة إلى الرئيس جو بايدن بشأن إيران وتطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية، حسبما نقلت صحيفة “تلغراف” البريطانية في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2021.

وشدد بومبيو في مقابلة مع الصحيفة البريطانية على ضرورة أن “يتعامل الرئيس الأميركي بحزم أكبر مع إيران إذا كان يأمل في إقناع السعودية بأن تصبح الدولة العربية التالية التي تقيم علاقات مع إسرائيل”.

وقال للصحيفة: “أنا مقتنع بأنه سيكون هناك المزيد من الدول التي ستنضم إلى اتفاقيات أبراهام، وفي يوم من الأيام ستنضم المملكة العربية السعودية أيضا”.