منذ بداية عام 2020، شهد الشرق الأوسط انفراجة واسعة ومصالحة عامة بين المنافسين السابقين، ويعد أحدث مثال على هذا الاتجاه هو التقارب بين تركيا والسعودية؛ حيث زار ولي العهد السعودي الأمير “محمد بن سلمان” أنقرة في 22 يونيو/حزيران الجاري، بعد ما يقرب من شهرين من زيارة الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” إلى الرياض في أبريل/نيسان الماضي.

وبينما كانت زيارة “أردوغان” بمثابة خطوة أولى نحو كسر الجليد بين البلدين، أكدت زيارة “بن سلمان” على الرغبة المتبادلة في علاقات أفضل وأشارت لعودة وشيكة إلى التطبيع الكامل بين الجانبين.

وبدأ تدهور العلاقات بين تركيا والسعودية مع اندلاع الربيع العربي، حيث كان للطرفين مصالح متعارضة خاصة في مصر، فقد انحازت تركيا للرئيس “محمد مرسي” المنتمي لجماعة “الإخوان المسلمين”، بينما دعمت السعودية الجيش المصري الذي أطاح به.

وتفاقمت العلاقات التركية السعودية مع الدعم التركي الكامل لقطر خلال الأزمة الخليجية التي استمرت 4 سنوات. وكان أحد المطالب الرئيسية لدول الحصار وعلى رأسها السعودية إغلاق القاعدة التركية في الدوحة.

ووصلت العلاقات بين البلدين إلى الحضيض بعد اغتيال الصحفي “جمال خاشقجي” في إسطنبول في عام 2018 والدور اللاحق لتركيا في إجبار الرياض على الاعتراف بأن القتل حدث داخل القنصلية السعودية.

 

عملية تطبيع معقدة

على مدى عام كامل، ظلت تركيا والسعودية تتفاوضان بهدوء من أجل تطبيع العلاقات بعد رفع الحصار عن قطر في يناير/كانون الثاني 2021. وجاءت زيارة الرئيس التركي “أردوغان” إلى السعودية في أبريل/نيسان كزيارة لإبداء حسن النية، بعد أن وافق المسؤولون الأتراك على نقل قضية “خاشقجي” إلى المحاكم السعودية.

لكن بالرغم من الخطوات الإيجابية من جانب تركيا، فقد قررت الرياض في مايو/أيار استمرار وضع تركيا في قائمة البلاد المحظور السفر إليها مبررة ذلك بزيادة عدوى “كورونا” في تركيا. وبالرغم أن الحظر تم رفعه قبل أسبوع من زيارة “بن سلمان” إلى تركيا في 22 يونيو/حزيران، إلا أن المملكة لا تزال تحتفظ بمقاطعة غير رسمية للسلع التركية.

ومن المتوقع أن ترفع المملكة هذه التدابير في الأيام المقبلة وتشجع تعزيز العلاقات الثنائية في القضايا السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، وفقًا لبيان مشترك موقّع بعد الاجتماع.

وتشير الرسائل السعودية المختلطة حول مسألة التطبيع إلى أن “بن سلمان” لم ينسَ تمامًا الدور الذي لعبته تركيا في أعقاب اغتيال “خاشقجي”، عندما أشار المسؤولون الأتراك إلى أن ولي العهد كان العقل المدبر خلف الاغتيال.

وتصدرت العملية التي قيل أنها كانت على يد “مارقين” عناوين الصحف العالمية وما زالت تشكل الصورة الذهنية عن “بن سلمان” لدى الجمهور الغربي. ويحمّل “بن سلمان” ودائرته المقربة تركيا المسؤولية عن ذلك لدورها في تسريب “المعلومات الضارة” – بما في ذلك لقطات الفيديو والتسجيلات الصوتية للقتل – إلى وكالات الاستخبارات الغربية.

وكانت تصرفات تركيا في ذلك الوقت مدفوعة جزئيًا بموقف “بن سلمان” تجاه تركيا، والذي انعكس في سياسات الرياض غير الودية تجاه أنقرة. أما في الولايات المتحدة، فقد واصل الرئيس “دونالد ترامب” دعم “بن سلمان”، ما دفع ولي العهد إلى تجاهل التداعيات المحتملة للاغتيال.

لكن بعد تسريب التفاصيل الشنيعة عن عملية القتل، اشتعل الغضب العالمي بشكل فاجأ “بن سلمان” وكلف المملكة الكثير في علاقاتها مع العالم الغربي.

 

الاقتصاد ليس الدافع الوحيد

يرى كثير من المحللين أن محاولات تركيا للتصالح مع المملكة مدفوعة في المقام الأول بالاعتبارات الاقتصادية. ومع ذلك، فإن هذا التحليل يقلل من شأن الشهية للتصالح التي غمرت المنطقة وتركيا بشكل عام، بما في ذلك على سبيل المثال التطبيع بين تركيا وأرمينيا، وهي دولة ضعيفة اقتصاديا.

وفي حين أن هؤلاء المراقبين يقللون من شأن السياسة الخارجية التركية الجديدة، فإنهم يبالغون أيضًا في تقدير تأثير السعودية على الاقتصاد التركي؛ فالأنشطة الاقتصادية السعودية ليست محورية لأي جانب من جوانب التجارة الدولية في تركيا، بما في ذلك حجم التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر والسياحة.

وفي ذروتها، بلغ حجم التجارة الثنائية بين تركيا والسعودية 5.8 مليار دولار أي 1.5% من التبادلات التجارية الدولية لتركيا. وبعد مقاطعة الرياض غير الرسمية خلال الأزمة الخليجية، انخفضت هذه الأرقام إلى 3.5 مليار دولار في عام 2021.

وظلت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بين البلدين أيضًا متواضعة، حيث بلغت 1.3 مليار دولار في ذروتها في عام 2008؛ وهو رقم لا يزال يمثل حوالي 1% من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا بين عامي 2005 و 2021. وفي أقصى تقدير، رحبت تركيا بـ750 ألف سعودي في تركيا في عام 2018، وهو عدد لا يشكل أكثر من 2% من السياح الذين يزورون تركيا.

وبالرغم من العلاقات الاقتصادية الضئيلة بين البلدين، فقد افترض “بن سلمان” خطأً أن رأس المال الخليجي هو الخيار الوحيد المتاح لأنقرة لإنقاذ اقتصاد تركيا. وعلى هذا النحو، سعى ولي العهد إلى الضغط على أنقرة وتأجيل التطبيع وحجب الاستثمار السعودي.

ومع ذلك، فإن هذه السياسة تقوم على أساس مضلل؛ فلم تظهر علامات على تحسن الوضع المالي لتركيا بعد التطبيع مع الإمارات الثرية للغاية (حليفة السعودية التقليدية). وتشير زيارة “بن سلمان” إلى تركيا إلى أن المسؤولين السعوديين يفهمون الآن أن أي تأجيل يمكن أن يضر الرياض بقدر ما يضر أنقرة.

ولعبت السياسة العالمية والإقليمية أيضًا دورًا في الزيارة. وبالنظر للتنافس الإقليمي المستمر بين السعودية وإيران، فإن استخدام إيران لوكلائها ضد تركيا، خاصة في العراق، يوفر للسعودية فرصة فريدة لكسب شريك إقليمي. وقد زاد عدم الاستقرار الإقليمي أيضًا بعد غزو روسيا لأوكرانيا في أواخر فبراير/شباط، مما أثار قلق القوى الإقليمية.

علاوة على ذلك، فقد أدى دور تركيا المتزايد في المنطقة – خاصة في سوريا والعراق – لمنح تركيا نفوذًا جديدًا في الشؤون الإقليمية، وأدت شهرة الطائرات المسيرة التركية “بيرقدار” والسمعة الهائلة التي اكتسبتها في أوكرانيا إلى إعراب المسؤولين السعوديين عن اهتمامهم بشرائها في محاولة لتغيير الميزان العسكري في اليمن.

 

ترحيب حار

في حين لم تبدِ الحكومة السعودية حرصًا مثل نظيرتها التركية على تدفئة العلاقات الثنائية، فقد اتخذ “أردوغان” خطوة محفوفة بالمخاطر من خلال الترحيب بحرارة بولي العهد في أنقرة، تمامًا كما فعل مع الأمير “محمد بن زايد”.

وتم انتقاد ترحيب “أردوغان” الدافئ بـ”بن سلمان”، ووصف بعض الجمهور التركي التحولات في السياسية بأنها ذات ذات دوافع اقتصادية محضة. ومع ذلك، يبدو أن هدف زيارة “بن سلمان” كان أوسع من ذلك، فقد جاءت ضمن جولة إقليمية لإظهار حسن النية شملت في الأصل مصر واليونان وقبرص.

ومن المهم أيضًا أن نلاحظ أن زيارة “بن سلمان” إلى أنقرة تأتي قبل فترة وجيزة من زيارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن” المخطط لها إلى الرياض. وربما يكون ولي العهد رأى أن المصالحة مع تركيا ستعزز موقفه في التعامل مع واشنطن.

ولا تعد علاقات “بايدن” مع كل من “أردوغان” و”بن سلمان” في أفضل حال، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى وعوده قبل الانتخابات بتقليص الانخراط الأمريكي في الشرق الأوسط وبياناته المنتقدة لكلا الزعيمين. ويدرك “بن سلمان” تمامًا أن زيارة “بايدن” مدفوعة بالأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت بـ”كوفيد-19″ وتعمقت في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، ووسط الارتفاع في أسعار النفط والغاز.

بالطبع، يبقى السؤال ما إذا كان الرئيس الأمريكي سيتمكن من تجاهل اغتيال “خاشقجي” في مقابل الضمانات الاقتصادية من السعودية، وهي مقايضة اتُّهم بها القادة الغربيون الآخرون، بمن فيهم الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” ورئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون”.

وإذا سارت الأمور كما ذكر البلدان، فمن المحتمل أن تصل العلاقات بين السعودية وتركيا إلى مستوى ما قبل الأزمة خلال فترة قصيرة.