بالنظر إلى السياق الوطني والدولي، هناك العديد من التحديات وخطوط العمل التي يمكن أن تحدد مستقبل اليمن، من بينها الحرب المستمرة.

في الوقت الراهن، تفتقر المملكة العربية السعودية إلى النفوذ الكافي لحل النزاع بشروط مقبولة لها.

مع ذلك، تملك السعودية القدرة على تعطيل الاستقرار والحل النهائي للنزاع وللأزمة الإنسانية الخطيرة، وفق ما يقول موقع “المعهد الملكي إلكانو” الإسباني.

لذلك، يجب أن تكون المملكة العربية السعودية جزءا من حل مستدام لكل من الحرب وعواقبها الإنسانية.

 

نزاعات متعددة

يرى الموقع أن اليمن أصبح مكان التقاء عدد لا يحصى من الصراعات. وقد أدى مسار الحرب التي غرق فيها إلى جر أفقر دولة في الشرق الأوسط إلى أخطر أزمة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية، وفقا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

في الأثناء، لم يمنع استبدال نظام علي عبد الله صالح، في سياق الانتفاضات العربية عام 2011، التقدم العسكري لجماعة الحوثيين على العاصمة صنعاء عام 2014 ولم يمنع تجزئة المنطقة إلى العديد من مناطق النفوذ.

من ناحية أخرى، عجز التحالف الدولي في اليمن منذ مارس/آذار 2015، عن تحقيق هذه الأهداف.

كانت تتمثل مهمته في قلب هجوم الحوثيين واستعادة سلطة الحكومة التي تصورتها مبادرة مجلس التعاون الخليجي في مايو/أيار 2011.

وأضاف الموقع أن الخريطة السياسية الحالية أبعد من أي وقت مضى عن دولة ذات سيادة قادرة على البقاء، في ظل سيطرة الحوثيين بشكل شبه كامل على شمال البلاد.

من جهتها، تصارع حكومة الرئيس عبد ربه منصور الهادي، من أزمة إلى أخرى، مع التطلعات الانفصالية للمجلس الانتقالي الجنوبي ومحاولات دمجه في تحالفه مع حزب الإصلاح.

وأوضح الموقع أن التكوينات الاجتماعية السياسية والجماعات المسلحة انتشرت في جميع أنحاء البلاد.

في الوقت نفسه، يؤثر التدخل الخارجي في اليمن على ديناميكيات وتوازن القوى بين الفصائل المحلية والجهود الدولية لتحقيق الاستقرار في البلاد.

وأصبحت الخصومات مرنة ومتداخلة مع بعضها البعض، مما يجعل من الصعب التنبؤ بسلوك مختلف الجهات الفاعلة وتوقعات حل النزاع.

في الأثناء، أدى وصول جو بايدن إلى الرئاسة الأميركية في يناير/كانون الثاني 2021 إلى إحياء الدافع الدولي والإقليمي للتوصل إلى وقف الأعمال العدائية، لكن السياق الداخلي لا يزال غارقا في المواجهة المسلحة.

من جهتها، تقف المملكة العربية السعودية وسط الجهود الدبلوماسية من قبل المجتمع الدولي والاقتتال بين الفصائل على الأرض.

ونوه الموقع بأن أكبر ملكية في شبه الجزيرة العربية تلعب دورا مركزيا في اليمن، كقائد للتحالف العسكري- وللحصار الاقتصادي – الذي جاء لإنقاذ حكومة هادي، الخصم الرئيس للحوثيين والمحاور الرئيس في المفاوضات والعملية السياسية.

لكن، تواجه إستراتيجية المملكة العربية السعودية مفارقة واضحة، حيث أظهرت استعدادها لإنهاء حملتها العسكرية، لكن هناك عوامل متعددة تمنع انسحابها.

في الواقع، يعكس هذا الوضع معضلة الأمن القومي، ولكن السعودية لا تقتصر على حماية الحدود أو البنى التحتية الحيوية، لأن أمن النظام وبقائه هما العاملان الأساسيان لسياسة المملكة.

 

سياسة السعودية

ونقل الموقع أن القرار السعودي بالتدخل باستخدام القوة في اليمن كان له غطاء من الشرعية؛ وذلك بموجب طلب الحكومة الانتقالية اليمنية.

مع ذلك، فإن الدوافع وراء هذا التدخل أكثر تعقيدا، وتفسر أيضا أسباب استمرار المملكة في الصراع.

من ناحية أخرى، أثبتت سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط مرارا وتكرارا أنها لا يمكن أن تكون ضامنا للأمن السعودي.

لذلك، بعد أن عانى النظام السعودي من اضطرابات جيوسياسية دون عوائد ملموسة تركتها السنوات الأخيرة، يستكشف النظام بدائل إقليمية للتخفيف من مخاوفه الأمنية.

بدا هذا التغيير في السياسة السعودية جليا منذ يناير/كانون الثاني 2021، عند إنهاء الحصار المفروض على قطر منذ 2017، وجولات الحوار الجديدة الجارية مع إيران وتركيا.

وبين الموقع أن هذا الميل الأولي لإعطاء الأفضلية للدبلوماسية قد يقود السعودية إلى إمكانية تبديل الخصومات على الساحة اليمنية.

في الواقع، تراقب المملكة بقلق التعاون بين الحوثيين وإيران، الذي لا يقوم فقط على تقارب أيديولوجي معين ولكن على تقارب المصالح.

وتخشى السعودية من أن يصبح وجود إيران – وحزب الله اللبناني – جنوب حدودها تهديدا دائما لأمنها واستقرارها.

في ظل هذا الوضع، تريد المملكة العربية السعودية إضعاف هذه الصلات أو على الأقل إخضاعها للسيطرة.

يضاف إلى ذلك، الأهمية الجيوإستراتيجية والشعور التاريخي لليمن بالنسبة لجارتها الشمالية.

وعلى وجه الخصوص، تعتبرها الرياض “ساحة خلفية”، يجب أن تكون فيها السعودية الفاعل الخارجي البارز.

كحلقة وصل بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، وبين شبه الجزيرة العربية والقرن الإفريقي عبر مضيق باب المندب، تستقطب اليمن أنواعا مختلفة من المصالح الأمنية والاقتصادية.

وهذا يجعل السعوديين يتنافسون مع كل من الخصوم والحلفاء من أجلها.

 

التغييرات والقيود

ونقل الموقع أن الحرب في اليمن سلطت الضوء على القطيعة مع السياسة الخارجية السعودية المترددة تجاه الأداء العسكري والمواجهة المباشرة.

من هنا، أدى الترويج للقومية المتطرفة “من الأعلى”، منذ بداية عهد الملك سلمان بن عبد العزيز في عام 2015 ووصول ولي العهد محمد بن سلمان إلى الساحة، إلى إعادة تعريف العلاقة بين النظام والمجتمع ومبادئ السياسة الخارجية.

من هذا المنطلق، كان التدخل في اليمن فرصة لتحريك الحماسة القومية ووسيلة للتعبير عن ولاء المواطنين لقادتهم.

وكان يهدف إلى إظهار القيادة الإقليمية للمملكة العربية السعودية، والتي كانت بمثابة طموح ومشروع شخصي لولي العهد.

كما أن البحث عن مثل هذه القيادة والوسائل المختارة لتحقيقها يعكس مركزية مشكلة “المكانة” في المملكة.

على وجه الخصوص، كان ولي العهد يعيد هيكلة صنع القرار داخل النظام حول شخصه.

في الآن ذاته، أثرت الحاجة إلى تعزيز صورته في الخارج وترسيخ سلطته المحلية، على قرار التدخل عسكريا.

واليوم، تمنع نفس الرغبة في الحفاظ على الوضع الوطني والدولي الانسحاب دون تحقيق نتيجة يمكن تقديمها على أنها “نصر” أو “لا هزيمة” لحفظ ماء الوجه.

ونوه الموقع بأن الخسائر التي تكبدتها المملكة في اليمن فادحة، كما أن عواقب تدخلها كانت كارثية، على جميع المستويات.

في مواجهة مثل هذا السيناريو، كان النظام الملكي يحاول منذ ما يقرب من عامين صياغة حل قابل للتطبيق للصراع.

ومع ذلك، فهو غير قادر على تأكيد سلطته لإنهاء الحرب دون مواجهة الإضرار بأمنه ومكانته.

وأشار الموقع إلى أن السياق الدولي يحتاج دافعا جديدا لتحقيق الاستقرار وإنهاء الصراع، لكن المبادرة الدبلوماسية الأميركية التي كانت بالفعل من بين وعود بايدن الانتخابية، تخاطر بأن تصبح محاولة عابرة.

وبالتزامن مع تدهور الوضع العام واحتدام القتال، فإن الصراع سيستمر إذا لم تختم السعودية سلسلة من الضمانات حول أمنها ووضعها وقبول التوازن السياسي الناشئ في اليمن.