رد فعل مصري وسعودي جديد، رافض للعدوان الإسرائيلي على غزة، يخالف تصرفات سلطات البلدين خلال السنوات الماضية، لا سيما منذ الانقلاب العسكري في القاهرة عام 2013، واعتقال الرياض عددا من الفلسطينيين وآخرين منتمين إلى حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، التي يعتبرها النظامان “تنظيما إرهابيا”.

القاهرة من جهتها، قدمت دعما عينيا وماليا لإعمار ما دمرته الآلة العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة مؤخرا، كما تغيرت اللهجة المصرية الرسمية والإعلامية بشأن “حماس”، أما الرياض، فقد خففت من لهجتها أيضا، وأدانت الاعتداءات الإسرائيلية رسميا، ورحبت كثيرا بالتهدئة.

لكن المخاوف من نوايا وأغراض النظامين في مصر والسعودية، وسجلهما السابق، على مدار السنوات الماضية تجاه حماس، ما زالت حديث بعض المراقبين والمهتمين بالقضية الفلسطينية.

وطوال شهر رمضان المبارك 1442، تفجرت موجة غضب فلسطينية في الأراضي المحتلة، بدأت 13 أبريل/نيسان 2021، كرد فعل لجرائم القوات الإسرائيلية والمستوطنين ضد المصلين بالمسجد الأقصى، ورفضا لقرار طرد أهالي حي “الشيخ جراح” بالقدس من منازلهم.

تلك الجرائم، دفعت المقاومة في غزة للرد على الاعتداءات الإسرائيلية، بإطلاق نحو 4000 صاروخ خلال نحو 11 يوما، بحسب قناة “كان” الإسرائيلية؛ أدت لتوقف الحياة بإسرائيل ومقتل 12 إسرائيليا وإصابة نحو 600، وفق “نجمة داود الحمراء” (الإسعاف) الإسرائيلية.

وفي حصيلة تقديرية بلغ عدد شهداء العدوان الإسرائيلي على غزة 227 شهيدا، منهم 64 طفلا و38 سيدة، وحوالي 1620 جريحا، وفق وزارة الصحة الفلسطينية، فيما لم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية إلا بعد اتصالات مصرية أميركية قطرية بالطرفين نجحت في فرض تهدئة فجر 21 مايو/ أيار 2021.

 

تحول مواقف؟

مراقبون مصريون أشاروا إلى ما أسموه تحولا لافتا في موقف النظام المصري وأذرعه السياسية والإعلامية عن ذي قبل؛ من العداء الشديد لغزة وحماس وجل المقاومة الفلسطينية إلى الدعم العلني والمساندة الرسمية، وهو ما استغله الإعلام المصري لتبييض وجه رئيس النظام عبدالفتاح السيسي والإشادة به.

ورغم حالة التفاؤل تلك لدى البعض؛ فإن مراقبين عبر مواقع التواصل وسياسيين تحدثوا لـ”الاستقلال”، يشككون في نوايا الموقف المصري بل ويحذرون منه، ويربطونه بتحركات مخابراتية للتجسس على حماس ومواقع إطلاق الصواريخ من القطاع وأماكن تصنيع أسلحة المقاومة.

وقالوا إن ذلك قد يحدث عبر إرسال نظام السيسي رجالا خاصة الأجهزة الأمنية المصرية عبر شركات المقاولات المحتمل ذهابها لإعادة إعمار غزة والتي قد تكون تابعة في الأصل للجيش المصري، أو حتى دس رجاله وسط أطباء يقدمون المساعدة الطبية لأهالي القطاع.

وفي السياق، يثار أيضا الحديث عن أن الدعم الذي أعلن السيسي عن تقديمه لإعمار ما هدمته الحرب في غزة -نحو 500 مليون دولار- مع تقديم قوافل مساعدات إنسانية للقطاع هو ضمن توجيه خليجي وأنها أموال خليجية لأغراض تكشفها الأيام.

ولأن السعودية أيضا، أبدت بعض المرونة في أزمة فلسطين الأخيرة وأدانت الاعتداءات الإسرائيلية رسميا ورحبت كثيرا بالتهدئة؛ يثار أيضا التساؤل حول احتمالات أن تغير المملكة موقفها من حماس التي تصنفها الرياض منذ العام 2014، وبعض قياداتها كمنظمة وشخصيات إرهابية كذلك، حيث ما زالت تعتقل بعض قيادات الحركة وأنصارها حتى اليوم

وأكد الملك سلمان بن عبدالعزيز، 21 مايو/أيار 2021، إدانة المملكة للاعتداءات الإسرائيلية بالقدس، وغزة، وما أسفر عنه من سقوط للضحايا الأبرياء.

 

إسقاط التصنيف

وإثر دور وساطة أميركي مع مصر وقطر للتوصل إلى تهدئة مع إسرائيل، تواصل مسؤولون أميركيون مع بعض قيادات حماس للتفاوض حول التهدئة الأخيرة في الدوحة، ما يثير التساؤل عن مدى اعتبار ذلك مقدمة لإعادة واشنطن النظر مستقبلا في تصنيف الحركة التي تصمها بالإرهاب.

ناشطون من دول إسلامية طالبوا العالم الإسلامي بالوقوف إلى جوار المقاومة ودعمها بالمرحلة المقبلة، ووجهوا نداءهم للدول العربية والغربية التي تصنف حماسا كمنظمة إرهابية برفع اسمها من تلك اللوائح دعما لدورها المقاوم ضد الاحتلال الإسرائيلي.

المحامي الدولي محمود رفعت، قال: “أشد ما يمكن للدول الإسلامية مساعدة فلسطين به هو العمل على إسقاط تصنيف الإرهاب عن حماس”، مؤكدا عبر صفحته بـ”تويتر”، أن “هذا سيبدل الكثير بملف القضية الفلسطينية”، مطالبا باقتناص فرصة التعاطف العالمي الآن مع المقاومة بفعل عدوان إسرائيل.

المحلل السياسي والعسكري الباكستاني حذيفة فريد، تساءل: “ألم يحن الوقت لإلغاء تصنيف فصائل المقاومة وعلى رأسها حركة حماس على أنها تنظيمات وجماعات إرهابية؟، ألا تكفل كل القوانين والشرائع حق مقاومة المحتل؟”.

الناشط السعودي عبدالله هادي، دعا العالم لتصنيف إسرائيل إرهابية بدلا من تصنيف المقاومة الإسلامية، مؤكدا أن حماسا حركة مقاومة فلسطينية تواجه الاحتلال.

ووصف الناشط السنغالي، “Medoune THIAM”، تصنيف حماس كمنظمة إرهابية بأنه “حيف وجور”، مؤكدا أنها حركة تقاوم الاحتلال، ولم تهاجم غير المحتلين، موضحا أنها “لو كانت إرهابية -كما يقول الاتحاد الأوروبي المنحاز- لهاجمت غير الصهاينة”.

الموريتاني مختار ولد داهي، أكد أن “حرب الأيام العشر” أسقطت تصنيف أميركا وبعض الدول الغربية لحماس كمنظمة إرهابية، مؤكدا أنها “حركة مقاومة وبامتياز”.

 

تصنيف عربي وغربي

في القاهرة بالعام 1987، أسس الشيخ أحمد ياسين، حماسا كحركة مقاومة مسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، عبر جناحها العسكري “كتائب عزالدين القسام”؛ لكن المخابرات العربية والأجنبية تعتبرها أحد أذرع جماعة الإخوان المسلمين، وفرضت عليها الحصار والتصنيف كمنظمة إرهابية ووصم قادتها بالإرهاب، في وقت مبكر من عمرها.

لم يكد يمر 6 سنوات على تدشين حماس، حتى ضمتها الخارجية الأميركية لقائمتها للمنظمات الإرهابية في أبريل/ نيسان 1993، في قرار تم تجديده بالعام 2009، بدعوى أميركية هي استخدام الحركة للعنف، ومعارضة مصالح واشنطن بالشرق الأوسط، وتلقي الدعم من إيران والتعاون مع “حزب الله” اللبناني.

واشنطن، وفي 31 يناير/ كانون الثاني 2018، أدرجت أيضا رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية، ضمن قائمة “الإرهاب الأجنبي”.

جاءت الخطوة بعد وضع 4 من كبار قادة الحركة هم، يحيى السنوار، وروحي مشتهى، ومحمد الضيف، وفتحي حماد، بجانب منظمات “جيش الإسلام” و”كتائب شهداء الأقصى” و “جبهة التحرير الفلسطينية” و”الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”.

الاتحاد الأوروبي ومنذ العام 2003، يصنف حماسا إرهابية، لكن في ديسمبر/ كانون الأول 2014، أمرت المحكمة العامة الأوروبية بإزالة حماس من السجل؛ لكن الاتحاد قرر في مارس/ آذار 2015، بقاءها بقائمته السوداء للإرهاب.

وعلى غرار واشنطن والاتحاد الأوروبي؛ أدرجت دول غربية “حماس” و”القسام” ككيان إرهابي، بينها أستراليا، وكندا عام 2002، ونيوزيلندا 2010، بينما حظرت المملكة المتحدة في 2001، كتائب “القسام” فقط دون “حماس”.

دول عربية، بينها مصر والسعودية، تصنف حماسا أيضا إرهابية تعتقل بعض المنتمين لها، فيما سبقتهما الأردن وحظرت الحركة عام 1999.

العام 2014، شهد حظر محكمة “الأمور المستعجلة” أنشطة حماس في مصر، وإغلاق مكاتبها، بل والأمر باعتقال أعضائها بالقاهرة، وصنفت ذات المحكمة الحركة إرهابية، في فبراير/ شباط 2015، واتهمتها بارتكاب هجمات في سيناء.

السعودية؛ حظرت جماعة الإخوان المسلمين بالعام 2014، ووصمتها بالإرهاب، دون ذكر حماس تحديدا، لكن القرار يشمل كل ما ينتمي للجماعة من حركات وبينها حماس، وهي الرؤية التي يدعمها اعتقال المملكة لبعض قادة وأنصار الحركة.

ولكن السؤال؛ هل مؤشرات التغيير المصري السعودي من المقاومة الفلسطينية صادقة وحقيقية؟ وهل فتحت تلك الأنظمة صفحة جديدة؟ برغم تقليل البعض من قيمة وحجم ذلك التغير والتشكيك في صدق توجهاتها وما خلفها من نوايا.

البرلماني المصري السابق الدكتور محمد عماد صابر، تساءل عما يقبع خلف الأقوال والأفعال والممارسات والخدمات والدعم والمساندات من سلطة الانقلاب لأهل فلسطين، مشككا في نوايا نظام السيسي وتوجهه لإعمار غزة.

في حديث أضاف: “ما الجديد ليتحول السيسي وأجهزته المخابراتية والأمنية والإعلامية فجأة إلى دعاة الوطنية ورعاية القومية وحماة المقدسات؟”، “ما الذي حدث لتتحول حماس من الإرهاب والانتماء للإخوان واتهامها بالخيانة والعمالة إلى الأخوة والأشقاء؟”.

وتابع: “ما الذي تغير ليقود السيسي وأجهزته الشعب المصري والمؤسسات بالدعم الطبي والخدمي وجمع التبرعات للعلاج وإعمار غزة المخطوفة ومصدر الإرهاب؟، وما هذه الدفعة من الكرم غير المعهود بتعهده بـ 500 مليون دولار لإعمار غزة؟”.

صابر، عبر عن شكوكه حول التحول “السيساوي تجاه الملف الفلسطيني؟”، موضحا أن “ذلك الدعم يأتي في السياق الطبيعي لو أن ظروف مصر طبيعية؛ لكن من مصر السيسي، فـ(هناك إن)، كما يقول المثل المصري، بمعنى هناك شك وريب”.

 

إسقاط محتمل؟

وفي إجابته على التساؤل: هل يدفع ذلك التغير الحادث على الأقل الآن القاهرة والرياض إلى خطوة مقبلة بإسقاط تصنيفهما بالإرهاب عن حركات المقاومة وعلى رأسها حماس؟، قال الباحث والأكاديمي المصري، الدكتور محمد الزواوي، إن “مصر تحاول أن تحافظ على ما تبقى لها من دور إقليمي لاسيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والتعامل مع إسرائيل”.

ويرى في حديث أن الانخراط الأخير غير المسبوق من قبل القاهرة علامة على ذلك.

وأوضح أن “القاهرة خشيت أن يخرج ملف القضية الفلسطينية والتطبيع مع إسرائيل من يدها بعد موجة التطبيع الأخيرة بقيادة الإمارات، والتي تدشن عهدا جديدا من السلام الدافئ والنشط مع تل أبيب بعد حقبة السلام البارد التي قادتها القاهرة”.

“ومن ناحية أخرى تحاول مصر أن تتفادى أية اضطرابات داخلية واسعة يمكن أن تندلع نتيجة لخروج أعمال العنف ضد الفلسطينيين عن السيطرة ومن ثم تؤدي لموجة شعبية عارمة في ظل هشاشة الوضع الداخلي للسلطة الحالية”، وفق الزواوي.

المحاضر بمعهد الشرق الأوسط في جامعة سكاريا التركية، تابع: “عملت القاهرة على الدفع إعلاميا ومن خلال الرموز الدينيين على ركوب موجة دعم الفلسطينيين بدلا من أن تبدو موالية للكيان الصهيوني أو متواطئة معه”.

وحول ما يتعلق برفع اسم حماس من الكيانات الإرهابية، يرى الأكاديمي المصري أن “تلك قضية تتعلق بضرورة أن تكون لمصر اليد العليا في صناعة القرار الفلسطيني، فإدراج حماس كحركة إرهابية عقاب لها على تعاونها مع أطراف غير القاهرة وعلى رأسها المحور الإيراني”.

وأشار أيضا إلى أن ذلك العقاب المصري يأتي نتيجة لـ”تصعيد حماس مع إسرائيل دون الرجوع للقاهرة، بما يمكن أن يؤدي لنشوب اضطرابات داخلية بمصر، أو اندلاع نيران حرب إقليمية القاهرة ليست مستعدة لها”.

وخلص الزواوي، للقول بأن “رفع اسم حماس من الكيانات الإرهابية يرتبط ارتباطا وثيقا بمدى إذعان الحركة لإملاءات السلطة المصرية فيما يتعلق بمسارات التفاوض مع إسرائيل، والتي ترى القاهرة أن المسار فيه يجب أن يكون سلميا، وهو الخيار الإستراتيجي الذي أعلنته عدة دول عربية أخرى وليس القاهرة وحدها”.

مدير المعهد الدولي للعلوم السياسية والإستراتيجية، الدكتور ممدوح المنير، يعتقد أن “مصر والسعودية دعما المقاومة إعلاميا وسياسيا نكاية في الرئيس جو بايدن والإدارة الأميركية”.

وفي حديثه أضاف: “لذلك فالقاهرة والرياض استخدمتا ورقة حماس ودعم غزة لإيصال رسائل عدة لتل أبيب وواشنطن، أنه إذا لم تدعمنا على طريقة (الرئيس الأميركي السابق دونالد) ترامب، فهناك ملفات يمكن أن تسبب ازعاجا كبيرا لكما” .

المنير، وفي رؤيته لاحتمالات توقف مصر إلى هذا الحد في دعم قطاع غزة والمقاومة الفلسطينية بعد نجاحها مع واشنطن في فرض التهدئة في فلسطين، أكد أن “الدعم المصري أو السعودي لغزة أو المقاومة؛ هو دعم نفعي بحت مرتبط بمحاولة القاهرة والرياض ترتيب أوراقهما الإقليمية مع واشنطن من جديد”.

يرى الباحث المصري، أن “تصنيف حماس كمنظمة إرهابية من عدمه هو قرار أميركي إسرائيلي، ومصر والسعودية تنفذان فقط لا غير”، مؤكدا أن “جلوس الأميركان مع الحركة في الدوحة، مرتبط بمعادلة الردع التي فرضتها وليس اتجاها لرفع التصنيف عنها”.

وأشار إلى أن “الأميركان جلسوا مع حركة طالبان الأفغانية رغم الحرب الدموية بينهما، من منطلق أن من يملك القوة يفرض كلمته وهذا ما فعلته حماس مع الجميع” .

وجزم المنير، بالقول إن “مسألة إلغاء تصنيف حماس كمنظمة إرهابية لن يحدث إلا في إطار صفقة سياسية ميدانية مع تل أبيب، في المقام الأول؛ وليس هناك ما يستدعي ذلك حاليا، وبالتالي هذا غير مطروح على المدى القريب من وجهة نظري”.