بقلم/ شعاع الزهراني

لطالما سمعنا التمجيد المبالغ فيه لمحمد بن سلمان خلال السنوات الأخيرة، فالأخير كان يقدم نفسه على أنه المصلح المجدد ونصير المرأة، خصوصًا بعد سَنّ قانوني قيادة المرأة السيارة والسفر دون محرم، إلا أن هذه الاصلاحات كما هو معروف تشوبها شوائب كثيرة وليست بالنقاء المتخيّل، حيث ينتفع بها نساء من طبقة معينة، أو في أحسن الحالات استفدن منها نساء تنحدر من عائلات يتقبل ذويهن فكرة تمكين النساء وكانوا داعمًا أكبر لهن، لكن هل التمكين فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الحق عن البقية؟

إن قضية تمكين المرأة لا تكتمل إن لم تكن متاحة للنساء جميعًا، بغض النظر عن اللون أو الطبقة الاجتماعية أو الميول أو المعتقد أو الطائفة، وحصر هذا التمكين بطبقة أو اختيارات  النظام الأبوي ما هي إلا تجسيدٌ للعنصرية المبنية على أساس الجنس وإقصاء لبقية نساء المجتمع اللاتي لم تتوفر لهن الفرص الكافية أو الحياة أو الحقوق أو حتى الاختيارات، فتمكين النساء يبدأ بإعطائهن حقوقهن التي سلبت منهن، والمساواة بين الجنسين في الحقوق المدنية وتوفير الحماية اللازمة ضد جميع أشكال العنف والتمييز ضد النساء، فلا تمكين دون حماية حقيقية تكفل للمرأة العيش بسلام دون خوف.

إن قضية حماية المرأة من العنف المسلط عليها، التي تعد رأس الهرم في عملية التمكين ما زالت تتجلى وبشكل واضح في مجتمعنا السعودي، سواء من خلال جرائم اللاشرف “و العنف الممنهج والمستمر ضدهن من قبل الأسرة او الزوج، وانعدام الحماية الحقيقة؛ فمراكز بلاغات العنف الاسري تتعنت في البت والاستجابة للبلاغ إما بطلب معلومات المبلّغ قبل التحرك أو الطلب من المبلغ (في حال كانت المبلغة هي الضحية) الحضور وتقديم بلاغ حضوري دون النظر إلى الظروف المحيطة بهن من منع للخروج أو الخوف من معرفة الجاني بالبلاغ، انتهاءً باعتباره شأنًا أسريا بعد الحديث مع الجاني.

فانعدام الخيارات الشخصية التي يصاحبها طُرقُ اخضاع مستميته هدفها كسر وتدمير النساء داخليًّا والتشكيك في قدراتهن وازدراء وطمس معاناتهن والتلميع والتجميل للوضع الراهن على حساب أرواحهن وأمنهن وأمانهن واستقلاليتهن، بل ومواطنتهن، واعتبار أن ما هو حق لك كمواطنة في هذا البلد أشبه الصَدقة يجب أن تُحسني استعمالها وإلا فستُسلب منك مجددًا وهذا ماهو إلا الطريق لانعدام التمكين وفرض السيطرة مجددًا عليهن، فما زلن يعانين اقتصاديًّا، ونسبة الفقر المؤنث أكبر بكثير من نسبة الفقر بين الرجال وقد بلغت نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة نسبة 33.2 مقارنة بالذكور بنسبة 68.5 بالإضافة الى انعدام المساواة في الأجور (ما عدا القطاع التعليمي الحكومي) حيث بلغ الفارق نسبة 49.

ليس ذلك فحسب بل ان النظام السعودي متمثلًا بمحمد بن سلمان الذي استهدف الناشطات السعوديات بالسجن والاتهام بالخيانة والتعذيب والتحرش والتهديد بالاغتصاب والقتل والإخفاء القسري والاختطاف وغيرها من الانتهاكات لحقوق النساء الناشطات دون سبب أو جرم عدا كونهن ناشطات طالبن ودافعن عن حقوق النساء في بلد هو آخر بلد سمح للنساء بقيادة السيارة، وسمح للأجهزة الأمنية بالاعتداء على النساء في منطقة تندحة وهدم البيوت دون اعتبار لسلامة النساء أو الاطفال أو مراعاة لظروفهم أو حقوقهم وتهجيرهم من منازلهم، وكل هذا صادر من مدعي التمكين الذي تغنى باسمه الكثيرون مدعين أن المرأة قد أخذت كل حقوقها في عهده، وملقين اللوم على المجتمع وجاهزيته، أو على التقصير من بعض الجهات الحكومية أو الأمنية، متناسين أن حاكمهم قد استباح انتهاك حقوق المرأة وكرامتها، فمن الطبيعي أن يحذو المجتمع حذوه في تعاملهم مع النساء أسوة بمن يسمونه قائدًا.

 

وقد استخدم محمد بن سلمان قضية تمكين المرأة لسببين:

الأول: استخدامها كغطاء لانتهاك حقوق الانسان كالاعتقالات والاخفاء القسري والمحاكمات غير العادلة التي مارسها النظام ضد مختلف أطياف المجتمع معتقدًا أن صمت الشعب وخوفهم سيكون في صالحة إلا ان هذا الغطاء انكشف بعد التسريبات التي خرجت للصحف العالمية من أهالي المعتقلين عن ما يحصل داخل السجون.

الثاني: شحذ الاهتمام الدولي ونشر البروباغندا عن الإصلاحات في السعودية وتقديم محمد بن سلمان على أنه الحل، والرجل الذي طال انتظاره، خصوصًا بعد ظهور مقطع للإدارة العامة لمكافحة التطرف معتبرًا الحركة النسوية شكل من أشكال التطرف، الأمر الذي فتح النار على النظام السعودي عبر تناقل وسائل الإعلام الاجنبية الخبر، ما دفع هيئة حقوق الإنسان إلى التغريد بقول “الحركة النسوية غير مجرَّمة في السعودية” كرد فعل تجاة المقطع.

,من نافلة القول وجود حركيّة سياسية في المملكة، رغم أن الجمعيات والأحزاب ممنوعة من النشاط والاشتغال في البلاد، ولكن الجديد في الأمر هو المقايضة التي يطرحها بن سلمان في المملكة وأمام المجتمع الدولي، بعض الحقوق الشكلية للمرأة، حقوقٌ لا نجد لها أي صدى في الواقع أمام واقع اجتماعي وسياسي سيء للغاية، حيث أنّ مع كل قانون تسنّه المملكة لصالح المرأة، ترافقه إجراءات قمعية وتعسفية أخرى، فقانون السماح لقيادة المرأة للسيارة هو الشجرة التي يخفي بها غابة الانتهاكات والاعتقالات، معتبرًا أن العباية أو قيادة السيارة والسفر دون محرم صدقة يمنّ بها بن سلمان للمرأة السعودية، ساحبًا منها أي امكانية للعمل السياسي والحراك الاجتماعي، ولو فعلت ذلك فالسجن والاغتصاب والاعتقال والإخفاء القسري سيكون مصيرها.

في نهاية المطاف، إذا اراد محمد بن سلمان أن يُمكّن المرأة فعليًّا فعليه البدء بالاستماع إلى مطالبات وهموم ومشاكل النساء عوضًا عن التلميع الوهمي على حسابهن، فهدر المبالغ الطائلة على الترويج وجلب المشاهير لن يغير من الواقع شيئًا، فمن انتهك الحقوق وتآمر عليها لا يمكن بأي شكل كان أن يكون مصلحًا أو مجددًا.