تواجه الحكومة السعودية، مأزقا ماليا صعبا جراء تداعيات أزمة تفشي فيروس “كورونا” المستجد، وانهيار أسعار النفط.

وقد تمتد آثار خطط التقشف المعلنة من قبل الرياض، الأسبوع الجاري، إلى خارج الحدود السعودية، مع دخول الحرب في اليمن عامها السادس على التوالي، دون حسم.

ولا شك أن فاتورة الخسائر الباهظة هناك، تضغط بشدة على المالية السعودية، وتبدد الاحتياطي النقدي للمملكة.

 

كلفة باهظة

وبحسب خبراء، فإن المملكة، في عهد الملك “سلمان بن عبدالعزيز”، ونجله ولي العهد الأمير “محمد بن سلمان”، تنتهج سياسة “إطلاق النار أولا، ثم طرح الأسئلة”.

وتكشف تلك الاستراتييجة مدى الاندفاع المسيطر على صانع القرار السعودي، والذي كانت نتيجته الرئيسية توريط المملكة في المستنقع اليمني لخمسة أعوام، دون نتيجة.

وقتل ما لا يقل عن ألف جندي سعودي منذ بداية الحرب في مارس/آذار 2015 وحتى أواسط العام الماضي، بحسب وسائل إعلام سعودية، في حين تقول مصادر مناهضة للحرب إن الرقم أكبر من ذلك بكثير.

ويقدر الإنفاق السعودي على مواجهة الحوثيين بمئات الميارات من الدولارات، في ظل تكتم رسمي من الرياض حول إجمالي قيمة فاتورة الحرب التي تقودها.

وتفيد مصادر في الجيش السعودي، بأن الضربات الجوية فقط تكلف المملكة شهريا 175 مليون دولار، بحسب قناة “العربية”.

 

فيما تقدر صحيفة الرياض التكلفة الشهرية لتشغيل الطائرات السعودية المشاركة في الحرب برقم أكبر يصل إلى 230 مليون دولار.

وتذهب تقديرات إلى أن المملكة أنفقت أكثر من 70 مليار دولار سنويا على هذه الحرب، ما يعني أن فاتورة الحرب بلغت 350 مليار دولار خلال 5 سنوات، بحسب صحيفة “التايمز” البريطانية.

وبالنظر إلى القررات السعودية الأخيرة بإلغاء بدل غلاء المعيشة، ورفع قيمة الضريبة المضافة من 5% إلى 15%، فليس من المستبعد أن يطال التقشف فاتورة حرب اليمن، مع تكلفتها الباهظة.

بالمثل، ربما تطال إجراءات التقشف التي وصفها وزير المالية السعودي “محمد الجدعان” بـ”المؤلمة”، خطط المملكة بشأن الإنفاق على واردات السلاح (أكثر من 60 مليار دولار سنويا)، وكذلك حجم القوات المشاركة في الحرب، ورواتب الجنود المرتزقة من الدول الأخرى الذين تمولهم الرياض للمشاركة في الحرب.

ولا توفر أسعار النفط الحالية (أقل من 30 دولارا للبرميل)، غطاء آمنا للمملكة للمضي قدما في حرب تستنزف محفظتها المالية، وقد تتسبب في تبديد احتياطاتها النقدية.

 

سحب الباتريوت

يفاقم من المأزق السعودي في اليمن، قرار واشنطن سحب جزء من القوات الأمريكية (نحو 300 جندي)، وإزالة 4 بطاريات صواريخ باتريوت، وبعض الطائرات المقاتلة، وكذلك خفض الوجود البحري في الخليج العربي بمحاذاة إيران.

وقد تحمل الخطوة الأمريكية في طياتها تداعيات خطيرة على الأمن القومي السعودي، تتعلق بانكشاف المحافظات الجنوبية، على الحدود مع اليمن.

وربما يغري الانسحاب الامريكي جزئيا، ميليشيات الحوثي، لتكرار استهداف منشآت النفط السعودية، على غرار ما حدث في سبتمبر/آيلول الماضي.

ومع غياب مظلة الحماية الأمريكية، وعجز الدفاعات الجوية للمملكة، وتراجع غارات التحالف في اليمن، تبدو لغة الهدنة مهيمنة اليوم على ألسنة مسئولي التحالف، بهدف وقف الحرب التي تستنزف قدرات أكبر منتج للنفط.

ووفق نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية “أبريل لونجلي ألي”، فإن “وقف الحرب صار أكثر إلحاحا في الوقت الذي تواجه فيه السعودية تأثير وباء كورونا والانخفاض الشديد في أسعار النفط على اقتصادها”.

 

مخاطر “كورونا”

ويحمل احتمال انتشار فيروس “كورونا” في اليمن، مخاطر عدة قد تهدد الوجود العسكري للمملكة، حال انتقال العدوى للقوات العاملة هناك.

ووفق الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، فقد جرى تسجيل إصابات جديدة بفيروس “كورونا” في محافظات شبوة والمهرة وأبين الجنوبية، وهي محافظات تخضع لسيطرة التحالف العربي.

ويخشى مراقبون سيناريو تفشي الوباء في البلد المنهك أساسا من الحرب، ويعاني أسوأ أزمة إنسانية في العالم، مع انهيار كبير في قطاعه الصحي.

وتقول الباحثة “إيلانا ديلوجر” من “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”، إن “تهديد فيروس كورونا المستجد منح طريقة للرياض لحفظ ماء وجهها وإعلان وقف إطلاق النار دون أن يبدو ذلك كاستسلام للحوثيين”.

وقد ظهرت بوادر هذا التحول مع إعلان الرياض هدنة من طرف واحد، ووقف شامل لإطلاق النار في اليمن، لمدة أسبوعين، الشهر الماضي.

 

خيارات صعبة

لكن السعودية تواجه تحديات صعبة لفرض وقف لإطلاق النار، مع ضمان أمن حدودها الجنوبية، وفي الوقت ذاته، حفظ ماء وجهها، وعدم الظهور بمظهر الضعيف أمام تعنت “الحوثي”.

وتعتقد “ديلوجر” أن “أولويات السعودية تتغير، وأن حرب اليمن مكلفة، ولا يمكن حسمها عسكريا”، ولذلك فإن العقل والمنطق يفرضان ضرورة وقف الآلة العسكرية عن الدوران.

ويضعف من الموقف السعودي، قيام حليفها الإقليمي الرئيسي، الإمارات، بخفض تواجدها العسكري في اليمن، العام الماضي، بالإضافة إلى الاقتتال الداخلي في المعسكر الموالي للحكومة، الذي بلغ ذروته مع إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي الحكم الذاتي في جنوب اليمن.

ووفق خبير شؤون الخليج في مركز الخدمات المتحدة الملكي في لندن “مايكل ستفينز”، فإن “الرياض اليوم أضعف مما كانت عليه قبل 2015”.

يواجه صانع القرار السعودي إذن، حرب استنزاف حوثية طويلة الأمد، مع مخاطر محدقة على حدود البلاد الجنوبية، وأسعار نفط دون المأمول بكثير، ووباء يوقف الحياة ويهدد القوات، وخلافات داخلية بين الحلفاء، وكلها عوامل تثقل سياسة المملكة وتستنزف محفظتها المالية وتهدد قوتها البشرية، لتجبرها في النهاية للبحث عن مخرج سريع لحرب اليمن، بأي ثمن.