“في هذه الفيلا تم التخطيط للجريمة”، هكذا عنونت صحيفة يني شفق التركية الملف الرئيسي على صفحتها الأولى، التي نشرت صورة أحد منزلين داهمهما الأمن التركي قرب مدينة يالوا، ضمن إجراءات التحقيق في مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي.
وأظهر الملف الذي عرضته الصحيفة التركية صورتين كبيرتين لملك السعودية سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد بن سلمان على أحد الجدران الخارجية للفيلا، في إشارة جديدة إلى اقتراب التحقيقات أكثر وأكثر من دائرة الحكم في الرياض.

وتواصل يني شفق الاقتراب لتربط صورة محمد بن سلمان مع صورة ثالثة لصاحب الفيلا السعودي محمد بن أحمد الفوزان، بأسهم تشير إلى تبعية الأخير -الذي غادر تركيا- لولي العهد.
عودة يالوا
وعادت يالوا إلى مسرح جريمة قتل خاشقجي مجددا بعدما اعتبرتها السلطات التركية -بالإضافة لمنطقتي بندك وغابات بلغراد في إسطنبول- مواقع محتملة لإخفاء جثة خاشقجي أو بقايا منها.

وتقول مصادر مقربة من الحكومة التركية إن مداهمة الأمن التركي للفيلا في يالوا تأتي ضمن استحقاقات البحث الجنائي الذي تقوم به السلطات في تتبع قضية خاشقجي لحل لغز اختفاء جثته، ولا سيما بعد وصول الجانب التركي إلى قناعة بأن السعوديين لن يقروا بمصير الجثة كما اضطروا للإقرار بقتله.

وتشير المصادر إلى أن توجه التحقيقات التركية نحو يالوا يمثل تحركا تركيا جديدا وورقة مهمة أطلقتها أنقرة، لمواجهة مساعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة لتقييد ملف خاشقجي ضد مجهول.

وبحسب المصادر، فإن الأتراك نظروا بارتياب شديد لتصريحات ترامب الذي قال الثلاثاء إن تقرير الاستخبارات الأميركية لم يجزم 100% بضلوع محمد بن سلمان في اغتيال خاشقجي، وهو ما دفعهم للإعلان عن التحرك نحو يالوا التي يحوز السعوديون على حصة الأسد من عقاراتها المملوكة لأجانب.

ومنذ مقتل خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ظلت السلطات التركية تتبع أسلوب الإفراج عن المعلومات التي تمتلكها وتسريبها تدريجيا، لتكثيف الضغط على الرياض وحليفها ترامب الذي يبذل وسعه لإبعاد ولي العهد السعودي عن تبعات القضية.

دلالات
لكن الموقف الميداني في يالوا جاء صريحا لينسجم مع إعلان الأتراك انزعاجهم من مساعي ترامب لتبرئة ولي العهد من مسؤولياته.

فقد أعلن المدعي العام لإسطنبول الاثنين أن منصور عثمان أبا حسين -وهو أحد أعضاء فريق الـ15 شخصا المشتبه في قتلهم خاشقجي- اتصل قبل يوم من الجريمة بالفوزان المقيم في أحد المنزلين اللذين جرى تفتيشهما، وأن الاتصال تمحور حول ترتيب إخفاء جثمان خاشقجي.

وقال الصحفي التركي إسماعيل كايا إن هذه الاتصالات “يمكن أن تتضمن ما هو أخطر من إخفاء الجثمان وصولا للكشف عن مشاركين آخرين في العملية من المستوى السياسي”.

وقرأ كايا عددا من الدلالات الأخرى في التحرك التركي في يالوا، أهمها أنه يمثل إثباتا قطعيا لـ”نية القتل المسبقة”، يضاف إلى إثباتات سابقة على هذه النية من بينها ضم فريق الإعدام السعودي الذي توجه لإسطنبول خبير تشريح ومعدات لتقطيع الجثة ونقلها وطمس الآثار، ومعدات التصفية التي حملها الفريق في حقائب دبلوماسية.

كما رأى أن في تباحث أبا حسين مع الفوزان في كيفية التصرف بالجثة “تكذيبا جديدا لرواية المتعاون المحلي، وإثباتا أن المتعاون هو سعودي الجنسية ومعروف لدى الجانب السعودي”.

وتمثل قصة “المتعاون المحلي” جانبا شديد الإرباك في الروايات السعودية المتناقضة، فبعد أن أعلنت الرياض تسليم الجثة لمتعاون محلي تركي عادت لتنكر ذلك، قبل أن يعيد الادعاء العام السعودي تكرار رواية المتعاون.

وبحسب إسماعيل كايا، فإن “امتلاك الأمن التركي تسجيلا لاتصال أبا حسين والفوزان يعني امتلاكه تسجيلات لكافة اتصالات الفريق السعودي”، وهو ما من شأنه أن يبقي القضية مفتوحة على المزيد من التطورات.

الجزيرة