تتواصل عمليات القصف التي يشنها الحوثيون في اليمن، مستهدفة مناطق حساسة بالعمق السعودي، وآخرها محاولات استهداف وزارة الدفاع السعودية ومقر الاستخبارات العسكرية وقاعدة الملك سلمان الجوية في الرياض، ومواقع عسكرية في جازان ونجران جنوبي المملكة، حسبما أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين “يحيى سريع”، الثلاثاء 23 يونيو/حزيران.

وتعد عمليات القصف الأخيرة تحولا دراميا في مسار الحرب التي بدأت بهجوم أطلقته المملكة ضد الحوثيين بعد انقلابهم على الحكومة الشرعية في صنعاء عام 2015، قبل أن تنتقل المملكة إلى وضع دفاعي، بعدما أثبتت صواريخ الحوثيين وطائراتهم المسيرة قدرتها على استهداف العمق السعودي، بما في ذلك العاصمة الرياض والقواعد والمنشآت العسكرية بالمملكة، فضلا عن المنشآت الاقتصادية الحيوية.

وتركزت أغلب نقاشات المراقبين حول توقيت ودلالة الهجوم الحوثي الأخير، وما يحمله من رسائل إلى الرياض، خاصة بعد خروج دولة الإمارات العربية المتحدة – ظاهريا – من الحرب، تاركا السعودية تواجه العواقب كاملة بمفردها.

 

توازن الردع

فالعملية استهدفت ترسيخ قناعة لدى القيادة السعودية بحتمية التخلي عن طموحاتها لحسم الحرب عسكريا، وهو ما يشي به الاسم الذي أطلقته ميليشيات الحوثي على هجومهم الأخير، “عملية توازن الردع الرابعة”، فعلى ما يبدو، فإن القيادات الحوثية أصبحت ترى أن هذه العمليات تزيد من تردد الرياض بدلا من أن تثير شهيتها للانتقام، وهو ما ظهر بشكل واضح بعد هجمات أرامكو في سبتمبر/ أيلول الماضي، التي أجبرت المملكة على تغيير نهجها، وتقليص طلعاتها الجوية في الأجواء اليمنية.

من هنا جاء توقيت العملية، تزامنا مع تشديد التحالف الذي تقوده السعودية لحصاره على المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، ومنعه وصول السفن التي تحمل المشتقات النفطية إليها، بهدف محاولة زعزعة الوضع الداخلي لمدن الشمال اليمني و”تثوير” مواطني هذه المدن، حسبما نقلت قناة روسيا اليوم عن القيادي الحوثي “محمد البخيتي”.

أما السلاح المستخدم في الهجوم، فيحمل دلالة أخرى، إذ جرت الهجمات عبر صواريخ باليستية من نوع “القدس”، و”ذو الفقار”، وهي صواريخ “كروز” تم تطويرها إيرانيا، بالإضافة إلى طائرات مسيرة من نوع “صماد 3″، ما حمل رسالة واضحة من طهران للرياض بأن تجاهل إنهاء حرب اليمن والتعنت في التوصل إلى تسوية إقليمية يعني مواصلة استهداف العمق السعودي، وربما تكرار ضرب المنشآت النفطية، كما جرى في سبتمبر/أيلول 2019.

هذا ذاته هو ما توعد به “سريع” في بيان متلفز بثته قناة “المسيرة” التابعة للحوثيين، متوعدا بـ”تنفيذ عمليات أشد ضد أهداف سعودية حتى يتم رفع الحصار عن اليمن” حسب قوله.

 

الرد السعودي

وفيما يتعلق بالرد الرسمي السعودي فتراوح بين إنكار استهداف الحوثيين مناطق حساسة بالعمق السعودي لتبرير عدم الرد من جانب، وبين إطلاق تهديدات غير مباشرة برد نوعي عبر مصادر غير رسمية من جانب آخر.

وفي السياق الأول، نقلت وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس) عن المتحدث الرسمي للتحالف العسكري الذي تقوده السعودية في اليمن “تركي المالكي” تأكيده على فشل محاولات الحوثيين “في استهداف المدنيين والأعيان المدنية المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني، بإطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات من دون طيار”، زاعما اعتراض دفاعات التحالف لـ  8 طائرات مفخخة دون طيار مساء الإثنين، 22 يونيو/حزيران، و3 صواريخ باليستية فجر الثلاثاء، 23 يونيو/حزيران.

بينما أكدت مصادر “رويترز” سماع شهود العيان دوي انفجارين ورؤية دخان في سماء العاصمة السعودية، بما يعني وصول صواريخ الحوثيين إلى بعض المناطق وانفجارها بها، وهو ما وثقه ناشطون سعوديون بالفعل عبر تصوير الصواريخ في سماء الرياض، إلا أن تهديدات وصلتهم من مغردين آخرين، من الموالين للنظام، برفع بلاغات ضدهم للنيابة العامة، ما اضطرهم لحذف الصور والفيديوهات.

في السياق الثاني، نشر الخبير الأمني الموالي للنظام في المملكة، اللواء ركن “زايد العمري”، تغريدات عبر تويتر حملت تهديدات مبطنة حول أن المملكة يمكن أن “تغير قواعد الاشتباك الخاصة بها وأن ترد على كل صاروخ أو طائرة مسيّرة (..) تستهدف الأعيان المدنية بضرب محطات الكهرباء ومجمعات الوقود، وأرصفة التفريغ في الموانئ وشبكات الاتصالات في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن”.

ويقرأ الباحث الأول بمركز الجزيرة للدراسات “لقاء مكي” التأرجح السعودي في إطار ما تعانيه الرياض من “خلل قيادي” مكن الحوثيين ليس فقط من الصمود طوال نحو 5 سنوات من بدء عمليات عملية “عاصفة الحزم”، ولكن أيضا تطوير قدراتهم إلى الدرجة التي تمكنهم اليوم من تهديد عمق المملكة.

ويؤكد “مكي” أن تمكن الحوثيين من بسط سيطرتهم على مناطق التركز السكاني الكبرى في اليمن وتشكيلهم بيروقراطية حكم كاملة فيها، فضلا عن تلقيهم دعما استراتيجيا من إيران، يعني استحالة تعويل السعودية على الحل العسكري في اليمن، واستحالة الوصول إلى حل سياسي يجعلهم خارج معادلة الحكم أيضا، وفقا لما أوردته قناة “الجزيرة”.

وإزاء ذلك فإن الرياض أما خيارين لا ثالث لهما، فإما التنازل عن بعض كبريائها والتفاوض من أجل تسوية مع الحوثيين، أو المضي قدما في الحرب، بما يعني مزيدا من عمليات استهداف العمق السعودي، والتي قد تكون بالغة التأثير مستقبلا.