في تغريدة مقتضبة من المغرد الشهير “”مجتهد””، أفصح فيها عن خبر إطلاق سراح شخصية مهمة تنتمي للعائلة المالكة السعودية لم يحدد هويتها، بضغط أمريكي على نظام آل سعود. وأضاف أن هناك أن شخصية مهمة ثانية سيطلق سراحها بعد ذلك. وبسبب أن تغريدات “مجتهد”، التي غالبًا ما تحتوي على تسريبات حقيقية عما يحدث خلف الأبواب المغلقة في البلاط الملكي، تأتي أهمية هذا التسريب.

لكن الغريب في الأمر، إن القيادة السعودية ألتزمت الصمت إزاء ما أورده “مجتهد” في تغريدته، ولم يتصدى أحد من الجيش الإلكتروني التابع لابن سلمان ليُكذب محتوى التغريدة أو يشكك بمحتواها. بينما انصرف باقي المغردين للتكهن عن هوية تلك الشخصيتين التي تحدث عنها “مجتهد” في تغريدته. فهل صمت النظام السعودي الرسمي ينبع من محاولته لحفظ ماء وجه حتى لا يُقال عنه أنه ينفذ الأوامر الأمريكية وهو صاغر؟ أم يبتغي من صمته الرسمي التقليل من شأن قرار الإفراج عن تلك الشخصيتين المهمتين وعدم زيادة اللغط في هذا الموضوع الذي سيؤثر بلا شك على مكانة النظام وتماسكه أمام شعبه؟

 

تكهنات عن هوية الشخصيتين المهمتين المطلق سراحهما

وبسبب أن “مجتهد” لم ينوه عن هوية الشخصيتين، فقد تناول العديد من المغردين والمراقبين للشأن السعودي، أسماء عديدة من المعتقلين في سجون النظام السعودي، والتي من الممكن أن يُطلق سراحهما في الفترة الحالية، فمن المؤكد أن هاتين الشخصيتين هما مهمتين أيضًا للجانب الأمريكي للدرجة التي تتدخل واشنطن من أجل إطلاق سراحهما.

لكن رافق تغريدة “مجتهد”، تغريدة أخرى لحساب مهم أيضًا اسمه “بدون ظل” يعرف نفسه بأنه ضابط في جهاز المخابرات الإماراتية، أجلت الضباب عن أحد الاسمين، فقد ذكر في تغريدته، أن “سمو الأمير الملكي احمد بن عبد العزيز آل سعود خرج من اقامته الجبرية منذ أربعة أيام”. وأضاف، “حيث قامت بزيارته شقيقته الأميرة لطيفه في قصره”. الأمر الذي يقلل دائرة البحث عن الشخصية المجهولة التي ذكرها “مجتهد”. يُذكر أن الأمير أحمد بن عبد العزيز، كان يخضع لإقامة جبرية منذ مطلع العام الماضي بأمر من بن سلمان.

ومن خلال البحث عن الأمراء المسجونين في سجون بن سلمان، يتبين لنا أن هناك ثلاثة أمراء كبار من العائلة المالكة السعودية معتقلين لأسباب غير معلنة حتى الآن، أحدهم شقيق العاهل السعودي الملك سلمان، بالإضافة إلى ولي العهد السعودي السابق محمد بن نايف، والأمير نواف بن نايف. هذا ما أكدته وسائل إعلام أمريكية بالقول، أن هناك اثنين من المحتجزين هم من كبار رجال الدولة والأكثر نفوذا فيها، وربطت تلك الصحف بين تلك الاعتقالات وبين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

 

لماذا تضغط الولايات المتحدة على بن سلمان لإطلاق سراح شخصيات مهمة؟

والتساؤل المهم الذي يتبادر إلى الأذهان إذا صحت تغريدة “مجتهد”، ما هي الأسباب التي تدعو الإدارة الأمريكية تضغط على بن سلمان لإطلاق سراح شخصيات مهمة يمكنها أن تشكل تهديدًا عليه، وهي التي أعادت تقيم الوضع بالسعودية واقتنعت بالتعامل مع بن سلمان رغم التحفظات التي عليه من قبلها؟

وعلى ما يبدو أن الإدارة الأمريكية بقيادة جو بايدن، تريد أن تمسك العصا من الوسط في الموضوع السعودي، فهي لا تريد أن توَّتر الأمور مع ولي العهد السعودي بن سلمان خشية تأزيم العلاقات بين البلدين، وبنفس الوقت، تحاول إيجاد خيار أخر جديد، يمكن أن يحل محل بن سلمان في حال تمادى الأخير في خروجه عن الطاعة الأمريكية، لكن بن سلمان باستجابته الأخيرة لإطلاق سراح تلك الشخصيات، يحاول البرهنة للإدارة الأمريكية، أنه ما زال مطيعًا لهم حتى إذا ما تعلق الأمر بالشؤون الداخلية للمملكة، أو ما يتعلق بمصير الحكم في المملكة، وهو بذلك يعطي رسالة للإدارة الأمريكية، بأنه أحق من غيره بدعم الأمريكان لاستلام عرش المملكة نظرًا لطاعته المطلقة لهم.

لكن الإدارة الأمريكية تقرأ المشهد على عكس ما يقرأه بن سلمان، وتعتقد أن الفرص التي منحتها لابن سلمان حتى الان، لم تثمر عن تغيير حقيقي في سياساته، كما أنه لم يستطيع كسر الطوق الدبلوماسي المطبق عليه دوليًا. فهو فشل في تحقيق مصالحة حقيقية في حربه مع الحوثي في اليمن كما كانت ترجو، ومحاولاته لإيجاد صيغة توافق مع إيران لا زالت تصطدم بعقباتٍ فَشَلَ بالتغلب عليها حتى الان، كما أن مساعي بن سلمان للتقرب من المحور الصيني، جعلت الإدارة الأمريكية تشعر بالغضب منه وتحاول إيجاد بدائل له، أو على الأقل معاقبته على خطواته تلك.

 

اسم ولي العهد السعودي يتردد بالمحاكم الأمريكية

وبالرغم من جو بايدن تراجع عن وعوده الانتخابية، وقام بتوفير الحصانة لابن سلمان من مقاضاته في المحاكم الأمريكية، إلا أن هذا لم يمنع تردد اسمه مرارا في تلك المحاكم، وفي قضايا عديدة لم تخطر على بال الإدارة الأمريكية ولا على بال ابن سلمان، مما شكل إحراجًا للإدارة الأمريكية وبدأت تشعر بالإرهاق من تبعات إقالة عثرات هذا الأمير التي لا تكاد تنتهي، ففي يونيو/حزيران العام الماضي، رفع رجل الأعمال السعودي، نادر تركي الدوسري، دعوى قضائية في ولاية بنسلفانيا الأمريكية نيابة عن ابنه راكان، وهو مواطن أمريكي، على الأمير محمد بن نايف وأطراف سعودية أخرى، بدعوى أنهم فشلوا في الوفاء بتعهداتهم في عقد تم توقيعه قبل عشرات السنوات، تتعلق بمشروع مصفاة في جزيرة سانت لوسيا الكاريبية. لكن المشكلة التي واجهتها المحكمة الأمريكية، تمثلت في كيفية توجيه استدعاء لأمير لا يُعلم مكان وجوده. ثم تم تعديل القضية لتشمل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، على اعتباره هو من وضع محمد بن نايف قيد الإقامة الجبرية، وصادر أصوله، مما منعه من الوفاء بالتزاماته التعاقدية، وقامت المحكمة بتوجيه الأمر لمحامي بن سلمان، بالمساعدة في تأكيد مكان محمد بن نايف.

لكن محامي بن سلمان، عرض الإفصاح عن مكان تواجد الأمير محمد بن نايف، لكنه اشترط أن يكون ذلك “بصفة سرية”، وقال في مذكرة للمحكمة، إن بن نايف يواجه تهديدات تتعلق بالإرهاب بسبب دوره السابق كوزير للداخلية في المملكة، لكنه لم يذكر أي شيء عن احتجازه.

لكن على ما يبدو أن الإدارة الأمريكية قامت بتكرار استخدام دورها في تحصين بن سلمان رغم انزعاجها من ورود اسمه في كل مرة بالمحاكم الأمريكية، وقام القاضي برفض القضية التي رفعها الدوسري ضد بن نايف، على اعتبار أن المدعى عليه مجهول الإقامة.

من ناحيته، رفض الديوان الملكي السعودي الرد على طلب من وكالة فرانس برس للأنباء للتعليق على دور شركة المحاماة في القضية، وعلى احتجاز محمد بن نايف كما هي العادة.

وهذا يفسر لنا كم هو ثقيل على الإدارة الأمريكية الاستمرار في التغطية على سوءات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وفيما يبدو أنها تفكر بجدية بإيجاد بدائل أكثر مقبولية لتولي عرش المملكة بدلًا من بن سلمان.