“أم هارون”.. مسلسل أثار جدلا واسعا في رمضان الماضي على خلفية إنتاجه السعودي وتقديمه صورة متعاطفة مع “اليهود” ودعمه للتطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

لكن جدلا أوسع جاء من قلب واقع السعودية، وتحديدا في الشهور الأخيرة، التي شهدت انطلاق دعوات غير مسبوقة بالمملكة للتطبيع رغم أن التصريح بهذا الأمر علنا كان من قبيل المحرمات، قبل وصول الأمير “محمد بن سلمان”، إلى ولاية العهد بالمملكة عام 2017، ليصبح حاكمها الفعلي.

بل إن الأنباء تصل حد التواتر في توالي ممارسة “تطبيع عملي” بين الرياض وتل أبيب، عبر زيارات سرية متبادلة لمسؤولين رفيعي المستوى في البلدين، حسبما أوردت تقارير غربية، وخروج وزراء في الدولة العبرية يشيدون بالتعاون الاستخباراتي بين الطرفين، علاوة على فتوى لمفتي عام المملكة “عبدالعزيز آل الشيخ” مفادها أنه “لا يجوز قتال (إسرائيل)”.

هذه التطورات يعتقد مراقبو الشأن السعودي أنها لم تكن لتحدث دون توجيهات من “بن سلمان” لقادة الرأي والنخب بهدف تهيئة الرأي العام في المملكة لـ “حقبة جديدة” تنهي عهد الفكر الذي طالما حكم السياسة الخارجية السعودية لعقود مضت.

وفي هذا الإطار، انتشرت على نطاق واسع مقالات في الصحف ووسائل الإعلام السعودية، تدعو علانية للتطبيع وعقد اتفاقية سلام بين السعودية و(إسرائيل)، بل ذهب البعض إلى أبعد من ذلك؛ بتأكيده على أن تل أبيب ستكون الوجهة السياحية الأولى بالنسبة إلى السعوديين، إضافة إلى التغني بتاريخ اليهود، مقابل شن اتهامات وانتقادلات لاذعة للفلسطينيين.

وإذا كانت الفنانة الكويتية “حياة الفهد” وقع عليها اختيار الإنتاج السعودي (شركة MBC) لبطولة “أم هارون”، فإن كتابا من أمثال: “عبدالله الصرامي” و”رواف السعين” و”عبد الرحمن العكيمي” و”محمد الخالد” و”خالد تركي آل تركي” و”عبدالرزاق القوسي” هم أبطال أحدث مسلسل سعودي لتلميع دولة الاحتلال.. يسميه ناشطون عبر وسائل التواصل الاجتماعي بـ”صحافة أبو هارون”.

وبينما أصبحت وسائل نشر سعودية عديدة مستضيفا متكررا للمسلسل الجديد، باتت “الإشادة” بـ”اعتدال وتسامح” “صحافة أبوهارون” السعودية فقرة ثابتة بحساب “إسرائيل بالعربية”، التابع لوزارة خارجية الاحتلال.

وشجع ذلك مسؤولو الصفحة الرسمية على نشر مقطع فيديو يوثق حديث أحد الضباط في الجيش الإسرائيلي، وهو يحمل علم السعودية، وبجواره مجند آخر يحمل علم دولة الاحتلال وبندقية آلية؛ حيث دعا الأول السعوديين لزيارة (إسرائيل)، مضيفا: “أنا في انتظار فتح السماء حتى أتمكن من السفر إلى السعودية”.

 

منطق التعايش

ولم يكن الاحتفاء الإسرائيلي الرسمي سوى انعكاس لسلسلة منشورات، بينها تلك التي كتبها “عبدالله الصرامي” عبر “تويتر”، في 27 أبريل/نيسان، مغردا: “أتمنى من هذا الجيل ألا يحكم على إسرائيل من باب العاطفة والتعاطف مع (القضية) الفلسطينية، أو النظرة القومجية والصحوجية، وأن ينظر هذا الجيل بعين العقل والمنطق والتعايش”.

وأضاف: “إسرائيل لم تضرنا ولو بالكلام بعكس ما يفعله الفلسطينية (الفلسطينيون) والدولة الإيرانية وميليشياتها والإخوانجية”.

وعلق “إسرائيل بالعربية” على التغريدة بالإشارة إلى أن “تحكيم العقل بدلا من العاطفة هو المنهج الذي يمكن اعتماده لحل المشاكل العالقة”، واصفا منشور “الصرامي” بأنه يؤشر إلى أن “الجيل الجديد أكثر انفتاحا على الإمكانات المتاحة للسلام والازدهار في المنطقة”.

 

رعاع وحثالة

وفي اليوم التالي مباشرة لمنشور “الصرامي” (28أبريل/نيسان)، نشر الكاتب السعودي “رواف السعين” مقطع فيديو دعا فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” إلى “تأديب الفلسطينيين”، وتخليص العالم منهم، واصفا إياهم بأنهم “شر في كل دولة يحطون فيها”.

وزعم “السعين”، في المقطع، أن الفلسطينيين “باعوا أراضيهم لليهود في نكبة 1948″، ووصفهم بأنهم “رعاع وحثالة وهمج وغجر ليس لهم من العروبة شيء، وليسوا سوى مهاجرين من أرمينيا والقوقاز واليونان والمغول وتركيا واستوطنوا من الساحل السوري إلى غزة”.

وأضاف: “عرب فلسطين هم عرب 48، إسرائيل تعترف بهم، وهم كذلك، ولهم الجنسية الإسرائيلية، ويعملون مع إسرائيل، وإسرائيل شعب أقام دولته على أرضه، أما من باع أرضه لا يحق له أن يأخذها طالما باع وقبض”.

واحتفى “جاي معيان”، مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق “أرئيل شارون”، بمقطع “السعين”، قائلا: “الشاعر السعودي يجلد الفلسطينيين، ويقول إسرائيل شعب أقام دولة على أرضه والقضية الفلسطينية مزعومة ولا يوجد شيء اسمه شعب فلسطيني”.

بينما أشار معلقون إلى “محاسن الصدف” التي تقف وراء توالي كتابات صحفيين وإعلاميين سعوديين بالمضمون ذاته، وكأنها حملة علاقات عامة.

وعزز تزامن تغريدات أخرى مع نشر مقطع “السعين” من حديث المعلقين عن “حملة تهيئة للتطبيع مع إسرائيل” و”مسلسل ممنهج” يدار عبر المخابرات السعودية، ومنها تهنئة الكاتب السعودي “محمد الخالد” للاحتلال الإسرائيلي بـ”عيد قيام دولة إسرائيل”، معلنا عن أمنياته بتطبيع العلاقات بين السعوديين وبين الإسرائيليين، الذين وصفهم بـ”أبناء العم”.

 

تزييف التاريخ

ولم تقتصر حلقات المسلسل السعودي على وسائل التواصل الاجتماعي، بل شملت أيضا صحفا ومواقع عبرية وسعودية، منها “معاريف” و”عكاظ” و”إيلاف”، ودار أغلبها حول التشكيك في الرواية الفلسطينية لتاريخ الاحتلال وتزييف السردية التاريخية لصالح الزعم بصدق الرواية الإسرائيلية.

وفي هذا الإطار، نشر الكاتب السعودي “عبدالرزاق القوسي” مقالا، ليس الأول له من نوعه في “معاريف”، زعم فيه أن اليهود وُجدوا على أرض فلسطين قبل قدوم العرب، وحمل الدول العربية المسؤولية عن تهجير اليهود منها إلى (إسرائيل) مطلع خمسينيات القرن الماضي.

وانتقد “القوسي”، في المقال، محاربة الدول العربية لدولة الاحتلال بزعم أنه لا يمكن إزالة دولة حصلت على اعتراف الأمم المتحدة، محمّلاً الفلسطينيين المسؤولية عن مّا وصلت إليه أوضاعهم وقضيتهم؛ “لأنهم لم يستغلوا قرار التقسيم في تدشين دولة، ولأنهم راهنوا على دعم الآخرين في مواجهة (إسرائيل)”، حسب تعبيره.

كان “القوسي” زار دولة الاحتلال نهاية العام الماضي، والتقى وزير الخارجية “يسرائيل كاتس”، في خطوة تطبيعية، هي الثانية من نوعها بعد زيارة المدون السعودي “محمد سعود”.

ونشرت وسائل إعلام إسرائيلية، آنذاك، صورة للمطبّع إلى جانب “كاتس”، ونقلت عنه قوله للأخير: “أتمنى أن نبدأ صفحة جديدة من السلام، وننسى حالة العداء والكراهية التي استمرت 14 قرنا”، في إشارة إلى تاريخ بعثة النبي “محمد”، صلى الله عليه وسلم.

 

العقل والعاطفة

أما الكاتب السعودي “عبدالرحمن العكيمي”، فدعا في مقال نشرته جريدة عكاظ (حكومية) السعودية إلى مراعاة “مصلحتها” في إقامة علاقات مع (إسرائيل) في مختلف المجالات، سيما أن مثل هذه العلاقات متاحة مع العديد من الدول العربية والإسلامية، ومنها تركيا وقطر ومصر والأردن، حسب تعبيره.

واعتبر “العكيمي” أن المملكة يجب أن تتجه نحو البراجماتية السياسية، في ظل معطيات واقعية تفيد بأن إيران هي العدو وليس (إسرائيل)، وهو ما احتفت به “إسرائيل بالعربية”، مساء 14 مايو/أيار الماضي.

الدعوة ذاتها دار حولها مقال نشره “خالد تركي آل تركي” بموقع إيلاف، في 25 مايو/أيار الماضي، مشددا على ضرورة “تغليب العقل على العاطفة في التعاطي مع (إسرائيل)”.

وزعم “آل تركي”، في مقاله، أن “إسرائيل كانت ولا تزال تسعى إلى السلام مع جميع الدول العربية” و”إذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا قبل كل شيء؛ فلنجعل العقل يقول كلمته لا العواطف التي تنجر بطبيعتها مع كل صيحة إعلامية صادقة أم كاذبة”.

ووصف الكاتب السعودي (إسرائيل) بأنها “دولة سلام بكل المقاييس”، مضيفا: “منذ قيام دولة (إسرائيل) حتى تاريخ نشر هذا المقال لم نسمع أو نقرأ أو نشاهد أنها سعت إلى نشر أيديولوجية أو عقيدة أو دعم ميليشيات في دول أخرى”، في إشارة إلى ممارسات إيران الإقليمية.

وادعى “آل تركي” أن “إسرائيل ترسل الأطباء لعلاج المرضى في الدول الأفريقية الفقيرة وغيرها دون مقابل، وتعالج الكثير من الفلسطينيين”، واعتبر ذلك دليلا على أن دولة الاحتلال “تحترم حقوق الإنسان وسيادة الدول”، مشيدا بتفوقها عالمياً واحتلالها لمرتبة متقدمة في مجال البحث العلمي.

واستطرد زاعما: “إسرائيل أصبحت مكاناً مُفضَّلاً للعلاج، حتى عند الكثير من المسؤولين الفلسطينيين”.

فيما رد العديد من الناشطين عبر وسائل التواصل بأن الحالة العربية في حاجة إلى علاج آخر، هو التطهر من أنظمة الفساد والاستبداد وآثارها المتمثلة في أجهزة الإعلام المضللة و”الكتبة” الذين يشنون الحملات المخابراتية على حساب ثوابت الأمة ومقدساتها.