بدأت المملكة العربية السعودية فيما يعتقد أنها محاولة لتغيير الصورة النمطية عنها، حيث اتجه ولي العهد محمد بن سلمان لتخفيف القيود على المرأة، ضمن سياق يبدو وكأنه يتبنى خطا “ليبراليا” اجتماعيا، ولكنه في الحقيقة لا يمس بالقواعد التقليدية للسلطة السياسية المطلقة، بل يمس باستقرار المجتمع السعودي وقيمه الإسلامية المستقرة منذ عقود. دون رؤية كاملة واستراتيجية واضحة بالتأثيرات الجانبية لهذا الخط الاجتماعي الذي يقوم على أهداف سياسية.

والى جانب ذلك، تم إنشاء هيئة الترفيه، التي تتولى إقامة حفلات موسيقية ومهرجانات للسيرك، كما يجري العمل على إنشاء مدينة ترفيهية ضخمة، تفوق مساحتها مدينة والت ديزني، إضافة إلى إقامة دور للسينما. ولكن هذه الخطوات التي تعزف على وتر الإصلاح الشكلي تهدف في الحقيقة إلى أن تدخل المجتمع في حالة من التصادم مع الأسس الدينية الراسخة فيه منذ عقود، وبدلاً من إصلاح حقيقي يطال أسس السلطة المطلقة، أصبح على المجتمع أن يقبل على مضض بإصلاحات ترقيعية هدفها الحقيقي إشغال الشعب بأنشطة الترفيه وإلهاؤه عن طرح الأسئلة الحقيقية حول ما يجب تغييره.

يناقش هذا التقرير كيف أدت خطوات وليّ العهد إلى تفكك المجتمع من أجل زيادة قبضة السلطة على السعوديين والسعوديات.

 

المجتمع السعودي المتمسك بدينه

يعطي وجود الحرمين ضمن سيادة المملكة إلى اتباع خط متدين، عظيم للغاية، وهو ما أدى إلى استخدام العائلة الحاكمة للمؤسسة الدينية كوسيلة لزيادة النفوذ وتحويل الطاعة العمياء كوسيلة لاكتساب شرعية البقاء. كما استخدمت النفوذ الديني للحرمين كوسيلة أخرى لزيادة النفوذ الخارجي، وتبرير السياسة الخارجية للمملكة.

طوال القرون الماضية منذ نشأة الإسلام كانت منطقتي مكة والمدينة حيث بدأ الدين الحنيف مناطق التديّن الرئيسية، ومع قيام المملكة العربية السعودية مطلع القرن الماضي، بضّم المدينتين المقدستين، توسع الأمر ليشمل كل مناطق السعودية، ما جعل امتثال معظم السعوديين لتعاليم الدين الحنيف أمراً مهماً في اعتبارات السلطات الرسمية ونظرة الخارج للمملكة. وهو -كما أشرنا- استخدمته السلطات من أجل خدمة أهدافها، لكن وصول محمد بن سلمان أصبح له أهداف مختلفة بأدوات صدامية مع المجتمع في محاولة لكسب ولاء الشباب السعودي الذين يصلون إلى 21% من السكان -أو بمعنى أدق على نمط البيئة التي عاش فيها التي تُقام على اللهو أكثر من العمل حسب ما أفاد كتاب حديث صدر تطرق إلى شخصيته-.

 

التغيّر المفاجئ

ولأجل الوصول إلى الهدف الحقيقي -المتمثل بإشغال الشعب بأنشطة الترفيه لزيادة قبضة السلطة – أعلنت السلطات السعودية عن عدة إجراءات، تم بموجبها إطلاق حرية المرأة في ارتداء اللباس الذي ترغب فيه في الأماكن العامة، وإمكانية حضور النساء المسابقات الرياضية، وإقامة حفلات غنائية تقيمها مغنيات أجنبيات، والاختلاط بين النساء والرجال في الفعاليات والحفلات، وأصبح الاعتراض على هذه الإجراءات مدعاة للمحاسبة أو الاعتقال، لأن ذلك يدخل في باب معارضة ولي الأمر، بعد أن كان ولي الأمر هو الذي يتولى حفظ العرض والدين. وكان القراران اللذان أحدثا أكبر الضجة والأثر؛ قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة، وإنهاء مبدأ ولاية الرجل عليها، بما يتضمن السماح لها بالسفر واستخراج بطاقة الهوية وجواز السفر، والحصول على الرعاية الصحية، دون اشتراط موافقة “ولي أمرها“، بشرط أن يتجاوز عمر المرأة في حال السفر 21 سنة. وهو الأمر الذي ظلت المؤسسة الدينية التابعة للسلطة تدافع عنه وتعتبره من أصول الدين التي لا تقام إلا بها؛ وهو ما أحدث شرخاً في فهم المؤسسة بعد فرضها وشرعنتها للمجتمع في السنوات القليلة الماضية.

ومما يؤكد أن إجراءات “الإصلاح” المذكورة لم تكن استجابة لمطالب “إصلاحية” بل يمكن اعتبارها في إطار تكريس السلطة المطلقة لولي العهد في وجه المؤسسة الدينية والمجتمع الملتزم؛ الطريقة التي تعاملت بها السلطات مع الناشطات السعوديات اللاتي طالما كان المطلبان الأخيران محور تحركاتهن على الدوام. فقد جرت ملاحقة الناشطات، وخصوصا ممن تجرأن على قيادة السيارة قبل رفع الحظر. وكان اللافت أن حملة الاعتقالات بحق هؤلاء الناشطات عادت بعد القرار الرسمي بإنهاء حظر قيادة السيارة للمرأة، الأمر الذي يؤكد أن ما تحقق لم يكن استجابة لمطالبهن، قدر ما كان توجهاً شخصياً لدى ولي العهد نحو “اللبرلة الاجتماعية.”

 

اعتقال الناشطات

وتظهر الاعتقالات محاولة “ابن سلمان” نسب الفضل إليه للحصول على تأييد هذه الشريحة من المجتمع السعودي وليس للناشطات حتى لا يصبحن رموزاً للنضال “النسوي” في السعودية. حيث جاء اعتقال الناشطات بسبب حديثهن عن أن هذا التطور جاء نتيجة جهودهن وتحركاتهن السابقة بهذا الاتجاه. وذكرت تقارير أن السلطات استبقت الإعلان عن قرارها بمطالبة الناشطة بالصمت، وتحذيرهن من نسب الفضل في القرار لتحركهن، في تلميح إلى أن قيادة البلاد هي صاحبة الشأن في أن تقرر ماذا تمنح ومتى وكيف، بناء على حساباتها الخاصة!

وباتت ناشطات مثل لجين الهذلول مثالا يتكرر ذكره في الصحافة الغربية عن معاناة الناشطات المعتقلات، مع تواتر المعلومات عن تعرضها وغيرها من المعتقلات للتعذيب وسوء المعاملة، بل وحتى الاغتصاب أو التحرش الجنسي.  كما بات يشكل اعتقال الناشطات مصدر معاناة لعائلاتهن أيضا.ومثلها أيضا الناشطة إيمان النفجان، والتي منحتها مؤخرا منظمة مراسلون بلال حدود جائزة “الشجاعة عام 2019.وقد أفرج عن النفجان مؤقتا، ومعها الناشطتان رقية المحارب، وعزيزة اليوسف، بانتظار محاكمتهن.

 

هيئة الأمر بالمعروف

وفي مقابل الاعتقالات بحق الناشطات، تم الحد من دور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مراقبة ملابس النساء في الشارع، فلم يعد ارتداء الحجاب أمرا ملزماً. وقد ظهرت نساء عديدات وقد صورن أنفسهن وهن يسرن في الشارع ببنطال الجينز ودون غطاء الرأس، وهو مشهد لم يكن ليُتصور حدوثه قبل سنوات، حيث اعتاد السعوديون على رؤية النساء في الشوارع بالعباءة السوداء، التي قال عنها ابن سلمان سابقا إن حشمة المرأة لا تعني ارتداءها، وهو ما يتناقض مع معظم المجتمع الذي يعتبر قرابة نصفه مجتمع البادية والريف، وجزء كبير من مجتمع الحضر له امتداده إلى البادية والريف -أيضاً-.

وظلت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حارسة التدّين في مجتمع الحضر، على الرغم من الانتقادات التي كانت تواجه الهيئة من الحضر، والتي استخدمها “محمد بن سلمان” لتقليص نفوذها خوفاً من أن تكبح خططه.

وبالتزامن مع إطلاق نظام التأشيرات السياحية، أصدرت الداخلية السعودية في 28 أيلول/ سبتمبر2019 لائحة تتضمن الشروط الواجب توفرها في اللباس “المحتشم” للرجال والنساء، مع فرض عقوبات على“التصرفات الخادشة للحياء“، رغم التأكيد على “حرية” اختيار اللباس، ستكون هذه اللائحة ورقة بيد السلطات، تستطيع تفعيلها أو غض الطرف عنها حسب كل حالة تتعامل معها، وهو ما يكرس مبدأ السلطة المطلقة في تطبيق اللوائح والأنظمة، لأن الضرب على يد من خدشوا الحياة العام في الفترات الماضية لم يكن عاماً، وحصل فقط في الحالات التي اعتبر تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي سبباً للاحتقان المجتمعي. ويمكن استخدام هذه اللائحة بقوانينها الفضفاضة لمطاردة الناشطات والحقوقيات، إلى جانب الانتقام من عائلات المعارضين والمنتقدين السياسيين.

وسبق أن أعلنت السلطات السعودية أن النساء الأجنبيات سيُسمح لهن بالتنقل بحرية في المملكة، دون الحاجة لارتداء العباءة. وبحسب الموقع الالكتروني للهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، فإن على الرجال والنساء الامتناع عن ارتداء ملابس تلاصق الجسم أو تحمل كتابات أو صورا بذيئة، فيما يشترط على النساء تغطية الكتفين والركبتين في الأماكن العامة، ولكن لا يبدو من الممارسات الآخذة في الانتشار أن هناك قيوداً حقيقية تمنع من ذلك. بل بدأت تنتشر مؤخراً مؤشرات على عكس ذلك، ففي حالة غير مسبوقة، انتشر تسجيل فيديو في سبتمبر/أيلول تظهر فيه موظفات سعوديات في وزارة الصحة يرقصن خلال الاحتفال باليوم الوطني السعودي!ما اعتبره السعوديون تناقضاً مع قيّم المجتمع وإساءة للوظيفة الحكومية في نفس الوقت.

 

تمكين المرأة

وتقول الحكومة السعودية اأنها تسعى لزيادة نسبة النساء العاملات في القطاع الخاص، والبالغة حاليا 30 في المائة، وتزعم أنها تشترط الالتزام بالفصل بين النساء والرجال، ولكن في بعض أماكن العمل تعاني النساء العاملات من عدم تحقيق هذا الفصل بالشكل الملائم، ما يؤدي إلى كثير من الصعوباتفي إنجاز الأعمال وشكاوى العاملات من التحرش.

وكررت الحكومة السعودية أن إدماج المرأة في سوق العمل، إضافة إلى السماح لها بإقامة المشروعات التجارية الخاصة بها، يهدف لتعزيز النمو الاقتصادي وفقا لخطة ولي العهد2030. ولكن في العام الماضيُسمح بانضمام النساء للجيش! وشهد سبتمبر/أيلول2019 إقامة استعراض عسكري نسائي غير رسمي أقامته فريق “حفلات المودة التطوعي“. وهي سابقة لم يسبق أن حدثت في المملكة.

كما سيتم السماح للنساء بالمشاركة في سباق الماراثون هذا العام لأول مرة، علما بأن الفتياتُسمح له بممارسة الرياضة في المدارس ابتداء من عام2017م..

وفي سياق الحديث عن تعزيز وضع المرأة، تم تعيين امرأة في منصب السفيرة السعودية في واشنطن، إلى جانب منصب نائبة وزير العمل، ورئاسة البورصة السعودية، وغيرها من المناصب. وبقدر ما يُعتبر ذلك تمكيناً للمرأة إلا أنها ركزت فقط على المناصب والأماكن التي تبرز صورة التي يريد ولي العهد تقديمها بكون السعودية أصبحت تمتثل لأوامره وتحاول إخفاء القمع الذي تمارسه السلطات بحق حرية الرأي والتعبير وعدم تمكين المجتمع سياسياً. وفي نفس الوقت، انضمت السعودية إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بالمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، ابتداء من عام 2017، وهو ما أثار انتقادات كثيرة مع استمرار الوضع السيئ للمرأة والمواطنين عموما في السعودية.

وعلى عكس ما يثيره المسؤولون يشير تقرير “الفجوة بين الجنسين لعام 2018″، إلى أن السعودية احتلت المرتبة 141 من بين 144 دولة يشملها التقرير.

والواضح أن عام 2017 كان عام تحول بالنسبة للمرأة في السعودية، فقد جاءت غالبية القرارات الخاصة بالمرأة في ذلك العام، وهو العام الذي بدأ فيه ولي العهد محمد بن سلمان بإحكام قبضته على شؤون البلاد. لكن خطوات كانت قد بدأت قبل ذلك، ومنها مثلا “السماح للمرأة بالمشاركة في الانتخابات البلدية”.

ورافقت القرارات “الليبرالية” الخاصة بالمرأة حملة اعتقالات طالت كتابا ومثقفين وأكاديميين ودعاة، وهو ما أثار تشكيك وانتقادات الصحافة الغربية التي تتناول باستمرار انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية، وصولا إلى جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، والتي نفذها رجال من جهاز الاستخبارات السعودي، بقيادة شخصيات مقربة من ولي العهد نفسه، وعلى رأسهم سعود القحطاني المستشار في الديوان الملكي.

ولذلك، فحين يقول موقع بزنس إنسايدر إن “العديد من التغييرات التي طرأت على الحياة اليومية عادت بالفائدة على النساء السعوديات، وعلى الرغم من صغر حجم بعض هذه التغييرات، إلا أنها أثبتت أهميتها في مسيرتها نحو المساواة“، يكون من المنطقي أن تحذر وكالة بلومبرغ من أن “الإصلاحات ستعاني من نقص في المصداقية، وستبقى مطاَردَة من الاحتمال المخيف المتمثل في أن نزوة الملك أو ولي العهد أو القائد الأعلى يمكن أن تقضي عليهما“.

تظهر إصلاحات ولي العهد السعودي الخاصة بالمرأة في المملكة منقوصة للغاية تتجاهل الحقوق الأساسية للمجتمع السعودي والذي يتطلب مجلس شورى كامل الصلاحيات يتم انتخابه من الشعب السعودي، إلى جانب الحقوق في حرية الرأي والتعبير. ويؤكد أن خطط ولي العهد ضد المؤسسة الدينية تتصادم مع المجتمع السعودي وقد يؤدي إلى الكثير من المشكلات المجتمعية في علاقة الآباء بالأبناء والبنات وتفكك العائلات، إذ يجري المضي قُدماً في الخطط الاجتماعية دون الاكتراث للتأثيرات الجانبية لتحقيق الهدف الرئيس المتمثل في تحسين صورة ولي العهد وإحكامه السيطرة على المجتمع.