لا تزال مليشيات شيعية موالية لإيران في العراق تصر على تبنيها للهجوم الذي استهدف العاصمة السعودية الرياض وألحق الأذى بمبنى حساس فيها، رغم اتهام وسائل إعلام سعودية لجماعة “الحوثي” اليمنية بالوقوف وراء الهجوم الصاروخي، قبل أن تنفي الأخيرة ذلك.

وعقب تبني “ألوية الوعد الحق” الهجمات على الرياض في 23 يناير/ كانون الثاني 2021، هددت المليشيا العراقية في 27 يناير/ كانون الثاني 2021، باستهداف برج خليفة في إمارة دبي، من خلال تفجيره بطائرات انتحارية مسيرة.

وقالت مجموعة “سايت” الاستخبارية على موقعها، إن مليشيا “ألوية الوعد الحق” العراقية الموالية لإيران، نشرت دعاية وصورا، تظهر محاولة افتراضية لاستهداف برج خليفة بطائرات انتحارية.

من جانبه، اكتفى التحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن، بالحديث عن اعتراض وتدمير هدف جوي “معاد” كان متوجها نحو الرياض، لكن المتحدث باسم الحوثيين يحيى السريع، نفى ضلوعهم بالهجوم بعد اتهامات من وسائل إعلام سعودية.

وكتب يحيى سريع تغريدة على “تويتر”، قال فيها: “تنبه القوات المسلحة اليمنية أنها لم تنفذ أية عملية هجومية ضد دول العدوان خلال الـ 24 ساعة الماضية”.

وأضاف: “من حقنا الطبيعي والمشروع الرد على دول العدوان طالما استمر العدوان والحصار. القوات اليمنية تقوم بالإعلان عن أية عملية تنفذها بكل فخر وشرف واعتزاز”.

عدم كشف الرياض رسميا عن الجهة التي تقف وراء الهجوم، في وقت تتبناه مليشيات عراقية، ردا على تفجيرات انتحارية ببغداد في 21 يناير/ كانون الثاني 2021، أثار تساؤلات كثيرة عن الجهة المحتملة التي هاجمت العاصمة السعودية.

 

مجمع الملك

في 27 يناير/ كانون الثاني 2021، قالت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية نقلا عن مصادر وصفتها بـ”المطلعة” إن الهجوم الذي استهدف العاصمة السعودية، “أسفر عن وقوع أضرار في مجمع ملكي مهم في الرياض”.

وأضافت الصحيفة أن الهجوم، الذي نفذ بواسطة طائرات مسيرة أو صواريخ، “هو الأول الذي يستهدف الرياض منذ نحو 7 أشهر”، فيما نقلت الصحيفة عن مصدرين على دراية بالأمر أن “مجمعا ملكيا مهما تعرض لأضرار طفيفة من جراء الهجوم”.

وأفاد شهود عيان بأن هجوما آخر استهدف الرياض بعد الحادث الأول بيومين، أعقبه انطلاق صواريخ منظومة باتريوت الاعتراضية من داخل الحي الدبلوماسي بالعاصمة السعودية، المجاور لقصر اليمامة، المقر الرسمي للملك الواقع في الضاحية الغربية للرياض.

وتتعرض السعودية لهجمات متواصلة من الحوثيين في اليمن المدعومين من إيران، خصم السعودية اللدود، لكن الصواريخ والطائرات المسيرة التي يطلقها الحوثيون نادرا ما تصل إلى أجواء الرياض التي تبعد نحو 700 كلم عن الحدود اليمنية.

واستمر الحوثيون، إضافة إلى مليشيات عراقية عدة مدعومة من إيران في تهديد مصالح واشنطن وحلفائها ومهاجمتها أحيانا، لكن مسؤولين أميركيون امتنعوا عن التعليق على الهجوم الذي استهدف الرياض مؤخرا، وفقا للصحيفة الأميركية.

ونقلت الصحيفة عن فيليب سميث، الخبير في شؤون المليشيات المدعومة من إيران في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، قوله: “من المحتمل يكون الهجوم الأخير على الرياض محاولة من جانب إيران لاختبار كيفية استجابة بايدن – الذي أشار إلى أنه سيتخذ نهجا أكثر تصالحية تجاه طهران من ترامب – للتهديدات ضد حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج”.

 

جماعة عراقية

في 24 يناير/ كانون الثاني 2021، زعمت جماعة غير معروفة تتخذ من العراق مقرا لها تدعى “ألوية الوعد الحق” أنها استهدفت قصر اليمامة ومواقع أخرى في الرياض ردا على الدعم السعودي المزعوم لـ”تنظيم الدولة”.

ونشرت حسابات وقنوات تابعة للمليشيات العراقية على “تليغرام” في 24 يناير/ كانون الثاني 2021، أخبارا عن “هجوم بطائرات الدرون (مسيرة) على العاصمة السعودية الرياض، انطلاقا من الأراضي العراقية”، وقالت إن “الرياض لم تعد آمنة” وأن “مفخخة في بغداد تساوي درونا في الرياض”، حسب وصفهم.

وأودت تفجيرات انتحارية في بغداد، بحياة 32 شخصا، حيث انطلقت بعدها حملة حادة من وسائل إعلامية مملوكة لمليشيات موالية لإيران تتهم السعودية بتنفيذ هذه الهجمات، وتحرض على ضرورة الرد عليها.

وزعمت إحدى القنوات على “تليغرام” أن الهجوم الصاروخي الذي أعلنت السعودية، التصدي له فوق الرياض، انطلق من الأراضي العراقية، نفذته طائرة مسيرة من نوع “FIX WING”.

وقالت جماعة “ألوية الوعد الحق” في بيانها: “بعد تمادي أعراق الخليج في جرائمهم بحق شعوب المنطقة ومواصلتهم دعم عصابات الإجرام التي أوغلت بدماء الأبرياء، ها هم أبناء الجزيرة العربية يفون بوعدهم ويرسلون طائرات الرعب المسيرة إلى مملكة آل سعود ويدكون حصونهم في قصر اليمامة وأهداف أخرى في الرياض ويعلنون بداية نقل معادلة الردع إلى داخل مشيختهم ثأرا لدماء الشهداء”.

وأضاف بيان الجماعة المسلحة: “ستكون الضربة القادمة على أوكار الشر في دبي إذا ما تكررت جرائم محمد بن سلمان ومحمد بن زايد”.

وعلى ضوء ذلك، أشاد المسؤول العسكري لكتائب “حزب الله العراقي” أبو علي العسكري، بالقصف الصاروخي الذي كان موجها تجاه الرياض، وتبنته جماعة “ألوية الوعد الحق” من “أبناء الجزيرة العربية”.

وقال العسكري خلال تغريدة نشرها على “تويتر” في 24 يناير/ كانون الثاني 2021: “نجدد تأكيدنا أن قرار القتل وآلة الإبادة الصهيو- أميركية- سعودية، وأن الرد يجب أن يكون على مصدر النيران لا أطرافها”.

وتابع: “بهذه المناسبة نجدد على يد أبناء الجزيرة (ألوية الوعد الحق) ونبارك استهداف وكر ابن سلمان، كما نوصي الأخوة المجاهدين في العراق والمنطقة أن يسيروا على هذا النهج، وأن لا تأخذهم في الله لومة لائم”.

 

رسائل إيرانية

الهجمات التي لم يعرف بعد الجهة التي تقف خلفها في ظل التضارب الحاصل بالمعلومات، فإن محللين قرأوا الهدف من وقعها والجهة المستفيدة منها.

في 26 يناير/ كانون الثاني 2021، قال الباحث العراقي مهند الحسيني في تصريحات صحفية: “المليشيا تتحكم بشكل كبير في القرار العراقي، وقرار الحرب والسلام يتحول تدريجيا من سلطة الدولة العراقية إلى سلطة المليشيات التي تحركها إيران”.

وحذر الحسيني من “إقفال المليشيا لكل خيارات العراق، عدا تلك التي تريدها طهران له. إيران تبعث رسائل إلى السعودية والخليج والولايات المتحدة، تعرب فيها عن استعدادها للتفاوض، لكن العراق لا يمتلك هذه الحرية لأنه يصبح أداة بيد إيران شيئا فشيئا”.

مضيفا: “حتى في حال كانت المليشيا غير مسؤولة فعلا عن الهجمات التي تبنتها، لكن الضرر في العلاقات واقع بكل حال”.

وفي السياق ذاته، علق عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان ظافر العاني خلال تصريح صحفي في 27 يناير/ كانون الثاني 2021، قائلا: “لا يمكن لمتابع أن يعتقد بأن استهداف السعودية من المليشيات يجري خارج الأوامر الإيرانية”.

وأضاف العاني: “المليشيات الولائية (موالية لطهران) ليست أكثر من أداة إيرانية لتسوية علاقاتها الخارجية، واستهداف المملكة ينطوي على أسباب عديدة ومعقدة، من بينها البعد العقائدي الديني، وثانيها كسب أوراق ضاغطة في حوارها مع أميركا، وثالثها تصعيد المنسوب الطائفي كبديل عن الهوية الوطنية”.

وجزم النائب، قائلا: “لا شك في أنه كلما شهدت العلاقات الرسمية العراقية العربية تحسنا ملحوظا، فإن إيران تعمل من خلال أدواتها على تعكير هذه العلاقة”.

وأشار العاني إلى أن “طهران تريد بقاء العراق يدور في فلك الولي الفقيه وإبقاءه مكبا لبضاعتها لاستنزاف ثرواته لاسيما وأنها تواجه منذ سنوات حصارا اقتصاديا دوليا”.

وشهدت العلاقات السعودية – العراقية، تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، كان آخرها في 18نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، حيث أعلنت هيئة المنافذ الحدودية في العراق، افتتاح منفذ عرعر الحدودي مع السعودية بشكل رسمي، أمام التبادل التجاري بين البلدين بعد إغلاق دام 30 عاما.