أعادت تحذيرات منظمات حقوقية، الأربعاء، من “انتقام” السلطات السعودية من أقارب مراهق أميركي من أصل سعودي بسبب دعوى قضائية رفعتها عائلته ضد الحكومة السعودية في الولايات المتحدة، الضوء على قضية العائلة.

 

وبدأت القصة، في يونيو من عام 2020 عندما رفع الدوسري دعوى قضائية في ولاية بنسلفانيا نيابة عن ابنه راكان، وهو مواطن أميركي، على ولي العهد السابق، الأمير محمد بن نايف، وأطراف سعودية أخرى.

 

تفاصيل الدعوى.. والأمير “المفقود”

ورفعت عائلة الدوسري الدعوى القضائية بولاية بنسلفانيا عام 2020 ضد الحكومة السعودية بعد نزاع تجاري طويل الأمد بشأن اتفاقية في 1995 لإنشاء مصفاة نفط في جزيرة سانت لوسيا، بمنطقة الكاريبي.

 

وتطرّقت الدعوى إلى مكان تواجد الأمير محمد بن نايف، كما جاء في وثائق تُظهر أن “الأمير المحتجز” كان ممثًّلا من شركة محاماة أميركية تعمل لصالح منافسه، ولي العهد الحالي، الأمير محمد بن سلمان، بحسب ما نقلته فرانس برس.

 

وزعم الدوسري أن ولي العهد السابق وأطرافا سعودية أخرى فشلوا في الوفاء بعقد مضت عليه عقود يتعلق بمشروع مصفاة في جزيرة سانت لوسيا الكاريبية.

 

لكن القضية طرحت معضلة: كيف يمكن توجيه استدعاء إلى أمير لم يعد مكان تواجده معلوما؟

 

وتم تعديل الدعوى في وقت لاحق لتشمل الأمير محمد بن سلمان، الذي وضع، وفق الملف، محمد بن نايف قيد الإقامة الجبرية وصادر أصوله، ما حال بالتالي من تنفيذ التزاماته التعاقدية.

 

وعندما قال الدوسري إنه لا يمكن توجيه أمر استدعاء لمحمد بن نايف، أمرت المحكمة محامي الأمير محمد بن سلمان بالمساعدة في تحديد مكانه.

 

في مارس الماضي، عرض محامي الأمير محمد بن سلمان الإفصاح عن مكان تواجد الأمير محمد بن نايف على “أساس سري”، قائلا في مذكرة إلى المحكمة إنه يواجه تهديدات تتعلّق بالإرهاب بسبب دوره السابق كوزير للداخلية في المملكة، من دون أن يرد أي ذكر عن اعتقاله، بحسب ما ذكرته فرانس برس.

 

لكن محامي الدوسري أصر على أن الأمير محمد بن سلمان “يحتجز ولي العهد السابق رهن الإقامة الجبرية”، قائلا إن الأمير محمد بن نايف “هو فعليا سجين (…) السعودية”.

 

ورفض القاضي بعدها البت في قضية خرق العقد التي رفعها الدوسري، تاركا الغموض يلف وضع الأمير محمد بن نايف ومكان تواجده. ولم ترد السلطات السعودية حينها على طلب موقع الحرة الحصول على تعليق.

 

تمحورت دعوى قضائية في الولايات المتحدة ضد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان حول مصفاة نفط في جزيرة في البحر الكاريبي، لكنّها سلطت الضوء بشكل غير متوقع على مسألة أخرى هي مصير ولي العهد السابق الأمير محمد بن نايف.

الهروب من السعودية

وفي مقال رأي نشرته صحيفة “واشنطن بوست”، في يوليو من عام 2022، روى الكاتب ديفيد أغناتيوس، قصة المراهق الأميركي من أصل سعودي، مشيرا إلى أنها “فصل صغير لا يوصف” في قائمة انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية.

 

وذكر الكاتب أن راكان الدوسري، الذي يبلغ الآن 15 عاما، بدأت مشاكله بعد أن انضم إلى والده نادر وهو رجل أعمال سعودي، بمقاضاة المملكة، عام 2020، لتأكيد مطالباتهم الوراثية في نزاع حول صفقة مصفاة عام 1995 في سانت لوسيا.

 

وبحسب الكاتب، أرسل راكان نداء بالفيديو، في 9 يونيو من عام ٢٠٢١، إلى السفارة الأميركية لدى الرياض. وقال في نص الفيديو: “عزيزي الرئيس (الأميركي جو) بايدن. أنا وعائلتي رهائن الآن داخل المملكة العربية السعودية بأوامر من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان … كمواطن ملتزم بالقانون، لم أفعل شيئا خاطئا والشيء الوحيد الذي كنت أركز عليه هو الحصول على درجات جيدة في المدرسة … أعتقد أن محمد بن سلمان يعاقبني أنا وعائلتي على المطالبة بحقوقنا في محكمة فيدرالية أميركية”.

 

ورفض متحدث باسم السفارة السعودية لدى واشنطن حينها التعليق على ما ورد في مقال صحيفة “واشنطن بوست”.

 

في 20 مايو 2021، خطط راكان ووالده للسفر من الرياض إلى واشنطن تاركين وراءهم أفرادا آخرين من العائلة بعد أن كانت المملكة قد رفعت للتو حظر السفر المتعلق بفيروس كورونا.

 

مع توالي المناشدات على الرئيس الأميركي، جو بايدن، للضغط على قادة السعودية بشأن مسائل حقوقية خلال زيارته المزمعة منتصف الشهر الحالي، نشرت صحيفة “واشنطن بوست” قصة مراهق أميركي استطاع الفرار من المملكة برفقة والده بطريقة دراماتيكية.

 

 

كان الأب والابن يحملان بطاقات صعودهما إلى الطائرة التي ستقلهم لمطار دالاس الدولي خارج العاصمة واشنطن، لكن تم توقيفهما عند مراقبة الجوازات. وبعد تأخير لمدة ساعة، أبلغا أنهما لا يستطيعان الصعود إلى الطائرة، وفقا لأغناتيوس.

 

وقال نادر الدوسري في دعوى قضائية عام 2021: “قيل لنا … كان هناك حظر على مغادرة البلاد … علمت لاحقا أن قيود السفر فرضها الديوان الملكي”.

 

وبعد أن فقد الأب وابنه الأمل في المساعدة الأميركية، خططا للفرار من المملكة.

 

يقول الكاتب: “كانت خطتهم الأولى هي ركوب زلاجتين نفاثتين من طراز سي دوو عبر الخليج الذي يفصل الأراضي السعودية عن جزيرة مملكة البحرين الصغيرة، لكن الدوسري وابنه كانا قلقين من تعرضهما للهجوم من قبل أسماك القرش أو اعتقالهما من قبل خفر السواحل السعودي في الطريق، لذلك تخلوا عن الخطة”.

 

وأضاف أغناتيوس: “كانت خطة الهروب الثانية لعائلة الدوسري أكثر جرأة. حيث تواصل نادر الدوسري مع مجموعة من المهربين (الذين) أخذوه هو وراكان إلى منطقة انطلاق في جنوب السعودية ونظموا رحلة صيد مزيفة في سيارات دفع رباعي”.

 

وأردف: “اشتروا الأغنام وغيرها من المؤمن لتناول الطعام خلال الرحلة بينما ترك نادر الدوسري هاتفه الخلوي في الرياض. كانت تكلفة المغامرة ما يقرب من 30 ألف دولار، لكن الاثنين شعرا بأن ليس لديهما خيار آخر”.

 

واستغرقت الرحلة عبر الكثبان الرملية المهجورة في الربع الخالي عدة أيام. وخلال الرحلة أوقفت الشرطة السعودية الهاربين وحذرتهما من إطلاق النار على أي غزال أو حيوانات محمية أخرى، بحسب أغناتيوس.

 

في أواخر يونيو من عام 2021، عبرا إلى دولة مجاورة مطلة على الخليج، حيث خططا للسفر من هناك إلى مركز إقليمي ثم إلى الولايات المتحدة – راكان باستخدام جواز سفره الأميركي ونادر باستخدام جواز سفر خليجي آخر كان قد حصل عليه قبل سنوات.

 

لكن ضابط الجوازات لاحظ أن اختبارات “بي سي آر” قبل السفر قد أجريت في السعودية وأوقفهم لمزيد من الاستجواب.

 

يضيف الكاتب: “قال لي نادر الدوسري: اعتقدت أن هذه هي النهاية. لكن في نهاية المطاف برأت السلطات الأب والابن. وعندما هبط الاثنان في نقطة العبور، اعتقدوا مرة أخرى أنهما أحرار. لكن هذه المرة، لاحظ ضابط الجوازات (الأميركي) أن تأشيرة نادر للولايات المتحدة بها بعض الترجمات غير المتطابقة من اللغة العربية”.

 

لكن مرة أخرى، سمحت السلطات لهما بالمرور. ووصلوا إلى دالاس في أواخر يونيو، وهما أول سعوديان ينجحان في الهروب من حظر السفر الذي فرضه الأمير محمد بن سلمان، على حد قول أغناتيوس.

 

استهداف الأقارب

والأربعاء، قالت ثلاث جماعات حقوقية، إن السلطات السعودية احتجزت خمسة من أقارب نادر الدوسري، وإن الاعتقالات كانت انتقاما بسبب الدعوى قضائية التي رفعتها عائلته ضد الحكومة السعودية في الولايات المتحدة، تم رفضها فيما بعد.

 

وقالت المنظمات، في بيان، إن اعتقال زوجة جده وإحدى عماته واثنين من أعمامه جاء بعد اعتقال سابق لعمه، في التاسع من أبريل، مضيفة أن بعضهم احتُجز في زنازين باردة من دون بطانيات أو أسرّة مناسبة.

 

ولم يرد مكتب الاتصال الحكومي السعودي على طلب رويترز للتعليق أُرسل بالبريد الإلكتروني.

 

وقالت المنظمات الحقوقية إن مكتب المدعي العام السعودي أحال الخمسة إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في المملكة، التي تنظر في قضايا الإرهاب، في 12 يوليو.

 

وأضافت أن السلطات السعودية منعت محامي المعتقلين من مقابلتهم أو معرفة التهم الموجهة بحقهم.

 

وقال نادر الدوسري، والد راكان، وهو مقيم في الولايات المتحدة، إن المحققين أبلغوا أفراد الأسرة المحتجزين أنهم لن يفرجوا عنهم إلا إذا عاد هو وراكان إلى السعودية. وأشارت الجماعات إلى علاقات المحتجزين مع المواطن الأميركي، راكان، وحثت واشنطن على التدخل.

 

وقال عبد الله العودة، رئيس قسم السعودية في مبادرة الحرية، إن قضية الدوسري “مثال صارخ على القمع العابر للحدود من جانب الحكومة السعودية”.

 

ويقول مسؤولون سعوديون إنه لا يتواجد سجناء سياسيون في السعودية.

 

ودعت المنظمات الثلاث واشنطن إلى الضغط على الحكومة السعودية للإفراج عن أفراد عائلة الدوسري.

 

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية والسفارة الأميركية في الرياض ومجلس الأمن القومي على طلبات رويترز للتعليق.