نشرت وكالة “الأناضول” التركية مقالا تحدثت فيه عن “انحسار” اهتمام الولايات المتحدة بسياسات الشرق الأوسط، منذ تنصيب الإدارة الجديدة بقيادة جو بايدن في 20 يناير/كانون الثاني 2021.

واعتبرت الوكالة الرسمية في مقال للكاتب نجم الدين آجار أن “هناك الكثير من الإشارات على ذلك، أهمها: انخفاض الضمانات التي كانت واشنطن تقدمها للأمن الإقليمي، غير أن دول الخليج ستكون الأكثر تأثرا بتخلي الولايات المتحدة عن دورها هذا، خاصة السعودية”.

ولفت إلى أن “إدارة السعودية بذلت جهودا مضنية لإقناع الولايات المتحدة بأن تصبح ضامنا للأمن الإقليمي منذ عام 2010، لكن بعض التطورات الحادثة منذ نهايات أغسطس/آب 2021 تكشف أن تراجع العلاقات وليس إنعاشها، اكتسب زخما جديدا”.

وأوضح آجار قائلا: “إذ تسبب سحب واشنطن لأنظمة الدفاع الجوي المتطورة من قاعدة الأمير سلطان الجوية بعد تركها زمام الأمور في أفغانستان لحركة طالبان، وإعلانها عن كشف الوثائق السرية المتعلقة بأحداث 11 سبتمبر (أيلول 2001)، في استمرار تفكك عرى الصداقة الأميركية السعودية واحدة تلو الأخرى”.

 

تراجع الاهتمام

وقال آجار: “في الواقع، يشهد الشرق الأوسط انخفاضا بالغا في اهتمام وطموح الولايات المتحدة فيما يتعلق بأمن المنطقة، وهي التي كانت فاعلا رئيسا في الهيكلة الأمنية في الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا”.

وأضاف: “ترتبط محاولة أميركا في خفض الضمانات الأمنية التي قدمتها للمنطقة لسنين طويلة، بالتحولات الجذرية في المناخ السياسي العالمي وسوق الطاقة. إذ إن التطورات في المناخ السياسي العالمي أدت إلى تآكل القوة الأميركية، فيما أدت التطورات في سوق الطاقة إلى إنهاء الولايات المتحدة اعتمادها على موارد الطاقة الخليجية”.

ومع أن الولايات المتحدة لا تزال اليوم قوة عظمى وأكبر فاعل عالمي عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا، إلا أن الصين تقترب بسرعة من الولايات المتحدة في مضمار السباق العالمي ويتوقع أن تلحق بالأخيرة، بل وتتجاوزها في المستقبل القريب، وفقا للكاتب التركي.

وشدد آجار قائلا على أن “تآكل القوة الذي شهدته الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة لا يرجع إلى ضعفها عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا، بل يرجع إلى النمو والتقدم السريع للاعب  الثاني عالميا بما يتجاوز التوقعات، لذلك، يشهد العالم حاليا تحولا في القوة ينتقل فيه ثقل الاقتصاد والسياسة العالمية من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ”.

من ناحية أخرى، يؤكد الكاتب على أن هذه التطورات “تجبر صناع القرار الأميركيين على إعادة تقييم أولويات السياسة الخارجية والأمنية للبلاد”.

وفي الحقيقة، ظهرت إستراتيجية “Asya Pivot” التي اعتمدت في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، نتيجة لهذا التقييم.

وتستند هذه السياسة التي تتبعتها أميركا حاليا، إلى المقاربة القائلة بأن “المستقبل الإستراتيجي للولايات المتحدة ليس في أفغانستان والعراق، بل في منطقة آسيا والمحيط الهادئ”.

وقال آجار: “لذلك، تضمن هذا التعديل في السياسة الخارجية والأمنية الأميركية تجاه منطقة آسيا والمحيط الهادئ التزاما بتغيير الانتشار العسكري الأميركي وتعزيز العلاقات الدفاعية مع حلفائها في المنطقة؛ لموازنة سياسات الصين الحازمة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ”.

وتابع: “وبالطبع قللت الولايات المتحدة التزاماتها الأمنية في الشرق الأوسط وبدأت في الانسحاب تدريجيا كجزء من إستراتيجيتها لموازنة قوة الصين، ويمكن القول بأن انسحاب جميع القوات الأميركية من أفغانستان والقوات المقاتلة من العراق عام 2021 جاءتا كنتيجة لهذا التعديل”.

واستدرك قائلا: “أما السبب الثاني لتراجع اهتمام الولايات المتحدة بمنطقة الخليج فيعود إلى توقفها عن الاعتماد على موارد الطاقة الإقليمية مع ثورة الغاز الصخري. إذ إن هذا ألغى اتفاقية (الأمن مقابل النفط) غير الموثقة بين السعودية والولايات المتحدة في وقت كانت فيه الأخيرة تعتمد بشدة على موارد الطاقة في المنطقة”.

وفي هذا، يعد سحب الولايات المتحدة أنظمة الدفاع الجوي المتطورة من قاعدة الأمير سلطان الجوية أواخر أغسطس/آب 2021، أهم تطور يظهر انحسار دور الولايات المتحدة الضامن لأمن إمدادات الطاقة الإقليمية، بحسب ما يراه الكاتب التركي.

وشرح ذلك بالقول: “ذلك لأن أنظمة الدفاع هذه التي وضعت على بعد 115 كيلومترا جنوب شرق الرياض، نشرت في منتصف سبتمبر/أيلول 2019، مباشرة بعد هجمات منشآت أرامكو التي قيل إنها جاءت من اليمن”.

ففي ذلك الوقت، تعرضت السعودية لواحدة من أكبر الهجمات في تاريخ البلاد، وتوقف نصف إنتاج البلاد من النفط و5 بالمئة من الإنتاج العالمي.

وأوضح آجار: “بفضل علاقاتها القريبة مع إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، كانت السعودية قد قامت بنشر أنظمة دفاع جوي أميركية في هذه المنطقة؛ لحماية قلب صناعة النفط، وردع الهجمات المحتملة على إنتاج وتجارة النفط في البلاد”.

وتابع: “اليوم، أصبحت مصفاة النفط في بقيق وخريص، محرومتان من الدفاع الجوي. ومع انعدام أنظمة الدفاع الجوي في المنطقة، ستشكل ضربات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التابعة لجماعة الحوثي مصدر قلق كبير لأمن صناعة النفط السعودية”.

 

عكس التيار

وبحسب الأستاذ في جامعة “ماردين أرتوكلو” الحكومية، آجار، بذلت الإدارة السعودية جهودا مضنية لعكس تيار اهتمام الولايات المتحدة الذي بدأ ينصب بعيدا منذ عام 2010.

وأسفرت سياسات إدارة ترامب التي أعطت الأولوية للتجارة والأدوات المالية عن تحسن نسبي في العلاقات الأميركية السعودية.

وخلال هذه الفترة، حاولت السعودية استرضاء الإدارة الأميركية من خلال توقيع اتفاقيات بمئات المليارات من الدولارات. كما أيدت ضمنيا نقل السفارة الأميركية إلى القدس للحفاظ على الوضع الإقليمي الذي رسمته واشنطن، ودعمت تطبيع دول الخليج مثل الإمارات والبحرين مع إسرائيل.

ورغم كل ذلك، كانت التوترات تزيد بين البلدين أحيانا بسبب بعض التطورات. فقد أثر مقتل الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول عام 2018، وحرب اليمن والأزمة الإنسانية التي سببتها الحرب – رغم أن العلاقات بين ترامب وولي العهد السعودي محمد بن سلمان بقيت دافئة – على صورة الرياض أمام واشنطن، يلفت الكاتب التركي.

ويرى أن خسارة ترامب في الانتخابات الرئاسية لم تكن مجرد نهاية ولاية رئيس أميركي قادر على إقامة علاقات جيدة مع الرياض باستخدام أساليب فريدة؛ إذ أدت هذه الخسارة إلى انخفاض كبير في عدد الأعضاء الذين يدعمون السعودية في الكونغرس ومجلس الشيوخ، وبعبارة أخرى: تضخمت قوة أيدي المعارضين السعوديين في واشنطن بشكل كبير.

وقال آجار: “مع تولي بايدن الرئاسة، تسارع انحسار اهتمام الولايات المتحدة بالشرق الأوسط ووضعت منطقة آسيا والمحيط الهادئ على رأس أولوياتها. واليوم، يمكننا القول بأن صناع القرار الأميركيين يعتبرون التوسع باتجاه منطقة آسيا والمحيط الهادئ أولوية قصوى، وهم مصممون للغاية على تعبئة مواردهم العسكرية لمحاصرة الصين”.

واستدرك قائلا: “يعتبر انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان والعراق، وسحبها أنظمة الدفاع الجوي من السعودية، وكشفها عن الوثائق السرية حول أحداث 11 سبتمبر، تطورات من شأنها تصعيد التوتر بين واشنطن والرياض”.

غير أنه يعد دليلا أيضا على مدى تصميم الولايات المتحدة، فقد كان أوباما قال للسعودية: “يجب أن تشاركوا الشرق الأوسط مع أعدائكم الإيرانيين”.

وعلق آجار: “بالنظر إلى ما آل إليه الوضع اليوم، يمكن القول بأن عرى الصداقة الأميركية السعودية تفككت بما لا رجعة فيه، خاصة وأن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان جاء بعد أن سحبت أنظمة الدفاع الجوي، ونشرت الوثائق السرية المتعلقة بهجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001”.

واستدرك: “في الواقع، كانت الأنظمة المتحالفة مع الولايات المتحدة في الخليج تعاني ومنذ وقت طويل من كابوس انسحاب الولايات المتحدة من الخليج عندما يحين الوقت.. وقد تحقق”.

وفي هذا، قد يؤدي نشر الوثائق السرية حول “أحداث 11 سبتمبر” إلى زيادة التوتر في الأيام المقبلة، إذ ذكر في الوثائق المنشورة الأولى، أن واحدا ممن يشغل “منصبا رفيعا” في القنصلية السعودية قام بتقديم المساعدة في الترجمة والسفر والإقامة والتمويل للمواطنين السعوديين اللذين شاركا في الهجوم. وفقا للكاتب.

وختم آجار مقاله مشيرا إلى أن “سحب أنظمة الدفاع الجوي التي تم نشرها عام 2019 لحماية منشآت أرامكو السعودية ونشر الوثائق السرية المتعلقة بأحداث 11 سبتمبر يعتبر أمرا بالغ الأهمية لإثبات وتأكيد تغيير الولايات المتحدة في سياساتها، ويظهر فشل جهود الرياض في إقناع الولايات المتحدة بأن تعود ضامنا أمنيا ​​للنظام في البلاد من جديد”.