تكبح السعودية الإنفاق الحكومي لأول مرة منذ 3 أعوام في خطوة جريئة لإثبات أن الإصلاحات الاقتصادية لولي العهد “محمد بن سلمان” تؤتي ثمارها.

وفي الوقت نفسه، تضررت الشركات من إجراءات التقشف الحكومي التي رفعت من التكاليف ودمرت ثقة المستثمرين.

لكن وزير المالية “محمد الجدعان” أصر على أن “المعنويات أصبحت إيجابية”؛ حيث أعلن في بيانه أن النفقات الحكومية لعام 2020 ستنخفض إلى 1.02 تريليون ريال سعودي، نزولا من ما يقدر بنحو 1.05 تريليون ريال سعودي عام 2019. وأضاف أنها ستنخفض ​​تدريجيا لتصل إلى 955 مليار ريال سعودي في عام 2022.

وقال “الجدعان”: “ما زلنا نبدأ في جني ثمار سياساتنا الاقتصادية والمالية على مدى الأعوام القليلة الماضية. وأنا واثق جدا من أن التعديل في الإنفاق لن يكون له تأثير على النمو الاقتصادي”.

ويدعم الإنفاق الحكومي، الذي تموله الدولارات النفطية، النمو الاقتصادي في أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم. وخفض صندوق النقد الدولي هذا الشهر توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي لهذا العام من 1.9% إلى 0.2%، ويرجع ذلك أساسا إلى التخفيضات في إنتاج المملكة من النفط الخام.

وقالت كبيرة الاقتصاديين في البنك التجاري بأبوظبي “مونيكا مالك”: “لا تزال هناك مخاطر لهذه الأهداف المالية، مثل الضعف في سوق النفط، فضلا عن الوقت اللازم لإكمال المشاريع الحكومية الضخمة، وكذلك المشاريع التي تدعم النمو أو الإيرادات غير النفطية”.

ويتحدث بعض رجال الأعمال السعوديين بحذر عن ارتفاع النشاط المحلي، مع ارتفاع معدل النمو غير النفطي إلى 2.9% على أساس سنوي في الربع الثاني، وهو أعلى مستوى له منذ 4 أعوام. ومع ذلك، يبقى الانتعاش هشا، ويتعامل المصرفيون معه بحذر.

وقال أحد المديرين التنفيذيين في المملكة: “لقد عدنا أخيرا إلى عام 2014، الذي كان عاما جيدا للمبيعات”. وأكمل: “لكن ذلك كان بعد أعوام عديدة من تراجع النمو وضعف الانتعاش”.

 

الشركات تعاني

ويوجد آخرون أقل اقتناعا قائلين إن القطاع الخاص لم يجرب بعد فوائد الميزانيات التوسعية للأعوام الثلاثة الماضية.

وقال مسؤول تنفيذي سعودي آخر: “يعاني أصحاب الأعمال التجارية ما يبدو أنه نقص في الإنفاق الحكومي. لم نشهد انتعاشا ملموسا في النشاط الاقتصادي. ينظر الناس إلى الأفق ويرون السراب فقط”.

وقال إن الشركات لا تزال تعاني من فرض رسوم مفروضة على أرباب العمل الذين يشغلون العمال الأجانب، والذين يمثلون ما يصل إلى 90% من القوى العاملة في القطاع الخاص، وتحركات الحكومة لإجبار شركات البيع بالتجزئة والخدمات على توظيف المزيد من السعوديين.

وتنازلت الحكومة مؤخرا عن رسوم العمال المغتربين في قطاع الصناعات التحويلية، التي توظف نحو 645 ألف أجنبي، لمدة 5 أعوام في تنازل واضح لصالح دعم الصناعة. وتأمل الرياض أن تصبح القطاعات الناشئة، مثل الترفيه والسياحة، التي ظهرت نتيجة للإصلاحات الاجتماعية، محركات جديدة للنمو.

لكن الثقة في الأعمال التجارية لم تتعاف بالكامل من حملة التطهير التي شنها “بن سلمان” تحت شعار “مكافحة الفساد”؛ حيث تم احتجاز أكثر من 300 من كبار رجال الأعمال والأمراء في فندق “ريتز كارلتون” بالرياض. وكان على الكثير منهم تحويل أصولهم وأموالهم إلى الحكومة مقابل الإفراج عنهم.

وقال المسؤول التنفيذي السعودي إن بعض رجال الأعمال ما زالوا يتخوفون إلى حد ما من حملة التطهير؛ ما يدفعهم لنقل أصولهم إلى الخارج، وهو ما “يبطئ الاستثمار في الاقتصاد المحلي”.

 

تأثير قتل “خاشقجي”

وقد تعثرت الاستثمارات الأجنبية بسبب مقتل “جمال خاشقجي”، الصحفي المخضرم، قبل عام في القنصلية السعودية في إسطنبول. وتوجد أيضا مخاوف بشأن دور المملكة في الحرب في اليمن، والتوترات الإقليمية مع إيران. وتم التأكيد على هذه المخاوف في سبتمبر/أيلول، عندما تم إلقاء اللوم على طهران في هجوم تم شنه على قلب صناعة النفط في المملكة.

وارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 3.2 مليارات دولار العام الماضي، من مستوى منخفض بلغ 1.4 مليار دولار في عام 2017، وفقا لأرقام الأمم المتحدة. لكن لا يزال هذا أقل من نصف ما جذبته المملكة من الاستثمارات في عام 2016، وهو العام الذي أطلق فيه ولي العهد خطته الإصلاحية “رؤية 2030”.

وفي المقابل، تضاعف استثمار المملكة في الخارج 3 أضعاف من عام 2017 إلى عام 2018، ليصل إلى 21.2 مليار دولار؛ وهو ما يعكس إنفاق الكيانات الحكومية، ولاسيما صندوق الاستثمار العام، فضلا عن المستثمرين من القطاع الخاص.

وتم تكليف صندوق الاستثمار العام، وهو صندوق الثروة السيادية القوي، بشراء أصول في الخارج، بينما كان يقود عملية تطوير المشاريع الضخمة وإنشاء صناعات سعودية جديدة. وسيكون الصندوق، الذي يرأسه “بن سلمان”، المستفيد من عائدات الاكتتاب العام الأولي لشركة “أرامكو” السعودية، شركة النفط الحكومية العملاقة، الذي قد يتم إطلاقه في وقت مبكر من الأسبوع المقبل بعد عدة تأخيرات.

وإذا استمرت عملية الإدراج، فقد تجمع ما يصل إلى 60 مليار دولار لتعزيز خزائن صندوق الاستثمار العام، الذي يواجه التزامات مالية ضخمة لتحقيق أهدافه المحلية. لكن المشروعات المحلية التي يقودها الصندوق في مراحلها الأولى، ولم تتقدم بعد للمرحلة التي يمكن أن يشارك فيها القطاع الخاص، ويشتكي المسؤولون التنفيذيون من أن الصندوق يزاحم الشركات الخاصة في أعمالها.

وقال مصرفي مقيم في السعودية: “لا يزال القطاع الخاص يشعر بالضغط، لقد تكيف نفسيا مع البيئة الجديدة، لكن البيئة غير مناسبة للاستثمار، لا تزال الأرباح ضعيفة. ولا يزال السوق يفتقر للنمو اللازم لخلق الوظائف المطلوبة”.