كشفت الأحداث التي شهدها الشمال الشرقي السوري خلال الأيام الأخيرة، عن صورة كاملة في الصراع المستمر منذ سنوات، فالرؤساء الثلاثة، الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب أردوغان، والإيراني حسن روحاني، هم الآن صانعي القرارات الرئيسيين لمستقبل سوريا.

تحت هذه الكلمات قالت الكاتبة جولي كيبي في مقال لها بصحيفة “لوريان لو جور”: “بعد ثماني سنوات من بداية الصراع، من الواضح فشل العرب في الملف السوري، حيث لم يكن أي منهم حاضرا على طاولة المفاوضات”.

 

الفشل العربي

وأضافت: “التدخل التركي الذي بدأ يوم الأربعاء (الماضي) ضد أكراد وحدات حماية الشعب (YPG) في شمال شرق سوريا وإعلان الولايات المتحدة انسحابها من المنطقة، أنهى الآمال الأخيرة للدول العربية بأن تتدخل واشنطن للدفاع عن مصالحهم”.

وأكدت جولي أنه: “بعد أن فقد العرب نفوذهم الدبلوماسي الرئيسي في الملف السوري، فإن إغراء العودة إلى اللعبة السياسية في هذا البلد الذي مزقه الصراع بات كبيرا، بعد أن تم استيعاب معطيات فلاديمير بوتين بوضوح”.

وأشارت إلى أن الوضع الحالي هو القيام بأعمال الرئيس الروسي، عراب دمشق، الذي يحتاج إلى خطة إنقاذ عربية لإعادة تأهيل نظام بشار الأسد في عملية السلام السورية، من جهة، وتمويل إعادة إعمار البلاد، من ناحية أخرى.

وبينت أن التطورات الأخيرة في شمال شرق سوريا عززت مكانة الرئيس الروسي في اللعبة السورية، وقد يكون له الكلمة الأخيرة أكثر من طهران وأنقرة، ولذلك يبدو أن فلاديمير بوتين، الذي زار الرياض الاثنين الماضي، يعتمد على محمد بن سلمان (ولي العهد السعودي) لتنفيذ خطته.

وتابعت الكاتبة: أنه في إطار مواجهة الزعماء العرب الذين يحجمون عن بدء التقارب مع “جزار دمشق”، تبرز صورة ولي العهد السعودي، الذي قال في أغسطس/آب 2018 لمجلة “تايم” الأمريكية “بشار سيبقى”.

وأضاف: “لكن أنا أؤمن أن مصالح بشار لن تكون بالسماح للإيرانيين القيام بما يريدونه”، وهي  تصريحات ذات مغزى حول تغيير موقف المملكة العربية السعودية تجاه دمشق بعد سنوات من قيام الرياض بتمويل المعارضة السورية وتسليحها.

ورأت جولي أن موسكو تنوي الاستفادة من الفراغ السياسي الذي خلفته واشنطن لوضع بيادقها في الخليج والعمل لصالح عودة سوريا إلى الجامعة العربية.

فخلال زيارته للرياض، قال فلاديمير بوتين الاثنين إن: “التنسيق الروسي السعودي عنصر لا غنى عنه لضمان الأمن في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”، مضيفا: “أنا مقتنع أنه بدون بلدك، من الصعب التوصل إلى حل عادل وطويل الأجل لأي مشكلة في هذه المنطقة”.

 

ابتلاع الطعم

ونوهت بأن إعادة ترتيب الأوراق في الشرق الأوسط قد يدفع الرياض إلى الدخول في كواليس الغرف مع موسكو لحماية ظهرها، كنتيجة لعدم الوثوق في إدارة دونالد ترامب.

وقال نيل بارتريك، المحلل المستقل ومؤلف كتاب سياسة المملكة العربية السعودية الخارجية “النزاع والتعاون”، إن: “السعودية ربما تكون على استعداد لتعزيز تعاونها مع روسيا من خلال التمويل، بالاشتراك مع الإمارات العربية المتحدة وربما الكويت، في أعمال إعادة الإعمار بسوريا”، مضيفا : “يمكن القيام بذلك دون استعادة العلاقات الدبلوماسية بالكامل مع نظام الأسد”.

وتساءلت الكاتبة: هل ابتلعت الرياض الطعم الروسي؟، لافتة إلى أن: “البطاقات المتاحة للمملكة الوهابية محدودة، والاعتماد على موسكو يبدو أنه الخيار الأفضل في الوقت الحالي لوقف التأثير الإيراني”.

وبحسب بسمة كودماني، المدير التنفيذي لمبادرة الإصلاح العربي والمتحدثة السابقة باسم المجلس الوطني السوري: “لقد أصبحت العلاقة مع روسيا ضرورية، في مواجهة إدارة أمريكية غير موثوقة بها، وباتت روسيا الوسيط الأكثر أهمية لتخفيف التوترات مع إيران”.

من جهته يقول حسين أيبش، الباحث في معهد دول الخليج العربي بواشنطن: “بعد أن فقدت اللعبة بشكل واضح، غيرت السعودية سياستها تجاه سوريا في ظل تقدم الحرب الأهلية، أولا مع صعود الإسلاميين المتطرفين (المدعومين عموما من قبل دول أخرى) للسيطرة على المعارضة المسلحة، وبعد ذلك أخذ نظام الأسد زمام المبادرة الحاسمة بعد التدخل العسكري بالتحالف مع إيران وحزب الله”.

ولفتت جولي كيبي إلى أن: “التدخل الروسي في سوريا عام 2015 غير الوضع، مما أجبر السعوديين على الابتعاد عن الصراع السوري، وبعد ثلاث سنوات، أظهر قرار الإمارات إعادة فتح سفارتها في دمشق رغبة عربية في العودة إلى اللعبة من جديد”.

وأكدت أن أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات أوضح أن: “الدور العربي في سوريا أصبح أكثر ضرورة تجاه التغول الإقليمي الإيراني والتركي، وتسعى الإمارات اليوم عبر حضورها في دمشق إلى تفعيل هذا الدور وأن تكون الخيارات العربية حاضرة وأن تساهم إيجابا تجاه إنهاء ملف الحرب وتعزيز فرص السلام والاستقرار للشعب السوري”، لكن أبو ظبي لا تتمتع بمكانة الرياض في الخليج.

 

المعادلة الدقيقة

كما نوهت الكاتبة إلى وجود ضغوط لإعادة عضوية سوريا في الجامعة العربية، والتي تم تعليقها في عام 2011، فدول مثل العراق والجزائر، ولبنان تحت قيادة وزير الخارجية جبران باسيل وإلى حد ما مصر تعرب عن رغبتها في عودة دمشق إلى المؤسسة، ما نتج عنهم صدام وسط تردد جيرانهم.

ويقول المراقبون إن هذه القضية طرحها فلاديمير بوتين خلال زيارته للرياض، حيث كانت سوريا على جدول الأعمال.

وشددت على أن الاستثمار في الملف السوري له ميزتان للسعودية، من ناحية، أن تكون المتحدث العربي في الدائرة المغلقة جدا لقادة عملية السلام، وقبل كل شيء، أن يكون باستطاعتها الحد من التأثير الإيراني، لكن الكاتبة تساءلت: هل الرياض قادرة على ذلك؟

ووفقا للباحث حسين أبيش: “ليس للمملكة العربية السعودية أي نفوذ لأنه ليس لها وجود عسكري أو حتى اقتصادي في سوريا في الوقت الراهن، ولا توجد بدائل مسلحة أو علاقات وثيقة مع الجماعات المسلحة”.

وأضاف: “التحدي الأكبر للرياض سيتمثل في إيجاد طريقة لتحييد النفوذ الإيراني في سوريا، خاصة وأن النظام يعتمد على إيران ووكلائها الطائفيين، بما في ذلك حزب الله، وكذلك على العديد من المليشيات الأخرى، في المهمات العسكرية”.

ويبدو من الوضع الحالي، حسب الكاتبة: أن الرياض تراهن على احتواء موسكو لطهران، وهو رهان محفوف بالمخاطر بالنظر إلى حقيقة الوضع على الأرض السورية.