ما زالت آلة التأثير السعودية داخل الولايات المتحدة قادرة على الطنين، رغم التداعيات التي أحدثها مقتل الصحفي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلده في مدينة إسطنبول التركية.

وبحسب تقرير لصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، عقب مقتل خاشقجي في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أقدمت إحدى مجموعات الضغط والمراكز الفكرية على قطع العلاقات العلنية مع المملكة ورفض أموال الرياض.

لكن بعد 9 شهور من الحادث، تواصلت مساعي المملكة للتأثير على السياسة الأمريكية بلا هوادة، مدعومة بتبني الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لولي العهد محمد بن سلمان، رغم التقرير الأخير للأمم المتحدة، الذي أفاد بأن الأمير متورط في عملية القتل الموحشة وتقطيع جثة خاشقجي.

 

مال مدرار

ولفتت الصحيفة الأمريكية، إلى أنه منذ خريف 2018، حققت مجموعات ضغط ومحامون ملايين الدولارات جراء مساعدتهم للمملكة في مجهوداتها لتطوير أسلحة نووية وشراء أسلحة أمريكية الصنع وإطالة أمد الدعم الأمريكي للتحالف الذي تقوده السعودية ويشن حربا في اليمن، وذلك بحسب سجلات مجموعات الضغط الأجنبية.

وأشارت إلى أن إحدى شركات العلاقات العامة أفادت بأنها حققت حوالي 19 مليون دولار نتيجة سنوات من العمل مع الحكومة السعودية. كما وقعت شركة للعلاقات العامة في نيويورك، يديرها موظف سابق بإدارة كلينتون، عقدا في فبراير/ شباط الماضي لتمثيل المصالح السعودية مقابل 120 ألف دولار شهريا، بحسب السجلات. ونوهت “واشنطن بوست” بأن الشركات التي تمثل المملكة تعمل بموجب غطاء سياسي واسع وفره ترامب.

واجه الدعم المقدم للسعودية داخل كابيتول هيل، الذي تشكل عبر آلة نفوذ معقدة تأسست خلال عقود، اختبارا صعبا في الأشهر الماضية وسط غضب دولي بسبب مقتل خاشقجي والحرب في اليمن التي تسببت في مقتل مئات الآلاف من المدنيين.

خلال الأشهر الأخيرة، انضم بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين في محاولة للحد من المساعدات العسكرية الأمريكية ومبيعات الأسلحة إلى المملكة السعودية. ولكن مع وجود مليارات الدولارات على المحك، ساعدت صناعة الدفاع القوية جماعات الضغط السعودية على احتواء الانشقاق الجمهوري. وكانت أصوات الكونجرس في الأشهر الأخيرة أقل من الأغلبية اللازمة لتجاوز حق النقض للرئيس.

ونقلت “واشنطن بوست” عن “بن فريمان”، الذي يتتبع التأثير الأجنبي في مركز السياسة الدولية، وهو مركز أبحاث له ميول يسارية، قوله: “لقد خسر السعوديون بعض جماعات الضغط العام الماضي، لكن الشركات التي لا تزال تعمل من أجلهم قطعت شوطا كبيرا. طالما بقي ترامب إلى جانبهم، فسوف يحصلون على أسلحتهم ويتورطون في اليمن. لذلك لا يوجد حتى الآن عقاب حقيقي لهم، واللوبي جزء رئيسي من تحقيق ذلك”.

 

مجموعات الضغط

وبحسب الصحيفة الأمريكية، فإن السعودية عثرت على عوامل دعم جديدة في الولايات المتحدة منذ مقتل خاشقجي. ولفتت إلى أن صندوق الثروة السيادية، الذي يرأسه ولي العهد، استأجر في فبراير/ شباط شركة “كارف كومينيكيشن” وهي شركة للعلاقات العامة ومقرها نيويورك يديرها أندرو فرانك، الذي عمل في هيئة المعلومات الأمريكية خلال حكم إدارة كلينتون.

ومضت تقول؛ تشمل مهام شركة العلاقات العامة على خلق تمييز بين مهام الصندوق التي تركز على الاستثمارات وبين القيادة السياسية في المملكة السعودية، والتحضير من أجل تطورات سلبية محتملة، حسب العقد المبرم بين الطرفين.

ونقلت عن فرانك قوله إن شركته ليست من مجموعات الضغط داخل الكونجرس، مضيفا “دورنا هو بناء الجسور. نركز على الجانب الاقتصادي وهدفنا ليس سياسيا”. وبحسب سجلات مجموعات الضغط، حصلت “كارف كومينيكيشن” على 342 ألف دولار من الصندوق.

ومضت “واشنطن بوست” تقول “تعد السعودية واحدة من أكثر الدول إنفاقا بهدف التأثير على السياسة الأمريكية، وجاءت في المرتبة الخامسة في تحليل أعده مركز السياسة المستجيبة، الذي يتابع تدفق الأموال الأجنبية منذ العام 2017 وحتى الآن. ويوجد حوالي 20 شركة مسجلة تعمل من أجل المصالح السعودية، مقارنة بأكثر من 25 شركة قبل مقتل خاشقجي”.

تروج جماعات الضغط لدور المملكة باعتبارها شريك رئيسي للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب في وقت تتصاعد فيه التوترات مع إيران. وكانت السعودية أول بلد يوقع على خطة وزير الخارجية مايك بومبيو للحلفاء للمساعدة في تجهيز ناقلات النفط بالكاميرات من أجل مراقبة التهديدات الإيرانية، في أعقاب إسقاط طائرة أمريكية بدون طيار في 20 يونيو”.

ونقلت عن ألفريد موتور، وهو شريك بارز في “برونستن حياة فاربر شريك”، وهي مجموعة ضغط رائدة في واشنطن حصلت على 1.5 مليون دولار من السعودية منذ أكتوبر/ تشرين الأول، قوله “لا يمكن إنكار أنهم حليف قيم.. أصل إستراتيجي ذو أهمية بالغة في الشرق الأوسط، وثقل موازي لإيران”.

 

خلف ستار الاتصالات

وبحسب الصحيفة، عبرت بعض مجموعات الضغط عن قلقها فور ظهور أنباء عن اغتيال خاشقجي خلال زيارته للقنصلية السعودية في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. ومن بينهم (MSL)، الشركة الأم لـ(Qorvis Communications)، وهي شركة اتصالات مقرها واشنطن عملت مع المملكة منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول.

وقال بيان للشركة في ذلك الحين “نحن نأخذ الموقف على محمل الجد حتى تصبح كافة الحقائق معلنة”. وداخل الشركة، كان هناك خلاف بشأن كيفية المضي قدما مع القتل، حسب ما ذكر موظفون سابقون. لكن بالنهاية، واصلت (MSL) و(Qorvis) عملهما لصالح الحكومة السعودية.

ومن بين الشركات المسجلة في الولايات المتحدة وتعمل نيابة عن المملكة، فإن (MSL) كانت الشركة التي حصلت على القدر الأكبر من الأموال منذ أكتوبر، حيث حصلت على 18.8 مليون دولار.

وتُظهر السجلات العامة أن (Qorvis) و(MSL) أجرت العشرات من الاتصالات في الأشهر الستة الماضية مع وسائل الإعلام ومؤسسات الفكر والرأي، بما في ذلك معهد بروكينجز ومعهد الشرق الأوسط، الذي قال بعد وفاة خاشقجي إنهم لن يقبلوا التمويل السعودي.

ويتعلق عمل (MSL) بالعلاقات الأمريكية مع المملكة السعودية والسياسة المتعلقة باليمن، وفقًا لبطاقات التبليغ، التي لا تذكر بالتحديد خاشقجي. وأقر مسؤول من بروكينجز بتلقي طلبات متعلقة بالسعودية لعقد اجتماعات من(Qorvis) و (MSL) في الأشهر الأخيرة، لكنه قال إن مركز الأبحاث رفض المشاركة.

وانتهت خمس شركات على الأقل بقطع علاقاتها التجارية مع المصالح السعودية في الخريف، هم:Glover Park Group ،BGR Group ،Harbour Group ،CGCN Group، وGibson Dunn & Crutcher.

من بين شركات الضغط التي لا تزال تمثل المصالح السعودية هي (هوجان لوفيلز)، التي حصلت على 1.6 مليون دولار من المملكة منذ الخريف ؛ ومجموعة ( McKeon) برئاسة هوارد باك ماكوين، الرئيس الجمهوري السابق للجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، والتي تلقت 600 ألف دولار.

وتقدم شركتا محاماة المشورة بشأن جهود المملكة لبناء محطات للطاقة النووية هم: (Pillsbury Winthrop Shaw Pittman)، التي حصلت على ما يقرب من 1.9 مليون دولار في الفترة بين أغسطس 2018 ويناير. و(King & Spalding) التي حصلت على 946 الف دولار في نوفمبر.

 

قضية خاشقجي

وبحسب “واشنطن بوست”، تعززت مكانة المملكة في واشنطن بالعلاقة بين ولي العهد وجاريد كوشنر، مستشار البيت الأبيض البارز وصهر ترامب. كما كانت الحكومة السعودية وجماعات الضغط التابعة لها من نزلاء فندق ترامب الدولي في واشنطن.

وحجزت جماعات الضغط التي تعمل مع المملكة 500 غرفة على مدى 3 أشهر في الفندق بعد انتخابات عام 2016، حيث قامت بإحضار قدامى المحاربين العسكريين الأمريكيين إلى واشنطن للتحدث علنًا ضد قانون الإرهاب الذي عارضه السعوديون. وبشكل منفصل، ظل عضوان في هيئة سوق المال في الحكومة السعودية في الفندق في فبراير/ شباط 2018.

وكان محمد الكويز، رئيس هيئة سوق المال والقيادي في جهود الحكومة السعودية لدمج المملكة في الاقتصاد العالمي، ضيفًا على الفندق في الأول من فبراير/ شباط، إلى جانب مسؤول آخر من المجموعة، وهي حنان الشهري.

لم ترد السلطات السعودية على الأسئلة المتعلقة بعدد الليالي التي قضاها مسؤولوها في الفندق أو مقدار الأموال التي أنفقوها هناك. ولم ترد مؤسسة ترامب، التي تقول إنها توجه أرباحها من الحكومات الأجنبية إلى وزارة الخزانة الأمريكية، على استفسار حول كيفية تعاملها مع زيارات المسؤولين السعوديين.

وفي مايو/ أيار، بعد فترة وجيزة من إقامة الكويز، ساعدت شركة العلاقات العامة (Hill) و(Knowlton Strategies) في إعداده لخطاب في مؤتمر بلومبرغ المالي ولإعلان متعلق بمؤشر (MSCI) للبورصة. وفي وقت سابق من هذا العام، بعد عامين، تم إدراج الأسهم السعودية في مؤشر (MSCI) لأول مرة، مما عزز قيمة العديد من الشركات.

ورفضت (Hill) و(Knowlton Strategies)، اللتين تلقتا حوالي 680 ألف دولار من كيانين سعوديين منذ يونيو/ حزيران التعليق. وبحسب “واشنطن بوست”، ثمة انقسام داخل الكونجرس حيال السعودية. ففيما صوت مجلس الشيوخ في ديسمبر/ أيلول مباشرة على إدانة بن سلمان في مقتل خاشقجي، لم يتابع بتنفيذ العقوبات التي تم التهديد بها.

واعتبرت أن السيناتور ميت رومني مثالا فجا للانقسام، فبينما انتقد إشادة الرئيس ترامب بولي العهد خلال اجتماع مجموعة العشرين، إلا أنه كان أول جمهوري يرفض إجراء مقترحا في 25 يونيو/ حزيران يهدف إلى تصعيب المهمة أمام الرئيس لتفادي مراجعة الكونجرس على مبيعات الأسلحة.

وختم التقرير، بالقول إن موقف رومني يعكس الزخم الذي لا تزال تحتفظ به المملكة في كابيتول هيل، إذ تضع نفسها كأهم ثقل موازن لإيران.