مجموعة “تحكم” تجمع شركات ضخمة، أبرزها “الشركة السعودية للتحكم التقني والأمني الشامل”، أسسها ولي العهد السعودي السابق محمد بن نايف، المغضوب عليه حاليا والمعتقل من قبل ولي العهد الجديد الأمير محمد بن سلمان.

ابن سلمان استولى على “تحكم” الشركة المتخصصة في مهام تحليل البيانات الضخمة، وطوعها في إطار حربه داخل العائلة الملكية الحاكمة لإقرار سلطته ونفوذه في مساعيه إلى قصر اليمامة بالرياض كعاهل منتظر.

باتت “تحكم” إحدى أهم أسلحة ابن سلمان، في إطار تطلعاته لتطوير التكنولوجيا السيبرانية، ومعالجة البيانات الضخمة، بالإضافة إلى مهام أخرى في تتبع معارضيه وخصومه بالخارج.

 

ذراع الأمير

في 10 مارس/ آذار 2021، نشرت مجلة “إنتيليجنس أونلاين” الفرنسية المتخصصة في شؤون الاستخبارات، تقريرها عن شركة “تحكم” السعودية، باعتبارها رأس حربة ولي العهد نحو اقتحام مجال البيانات الضخمة.

المجلة الفرنسية قالت: “بعد السيطرة على الشركات المعتمدة على عقود وزارة الداخلية، بدأت (تحكم) في إطلاق عقود ضخمة، حيث أصدرت شركة التكنولوجيا السيبرانية المملوكة للدولة، أولى مناقصاتها المتعلقة بأداة معالجة البيانات الضخمة، وقدمت عدة شركات غربية عطاءات للمشروع”.

وأضافت أن “الشركة الجديدة (تحكم تضم تحتها 10 شركات فرعية) التي يترأس مجلس إدارتها عمر بن محمد الفاضل، ويدير شركة تحكم التقنية عبد العزيز النويصر، الذي عمل سابقا لدى شركة العلم لأمن المعلومات، المملوكة لولي العهد السابق محمد بن نايف تمضي قدما في المجال السيبراني، القطاع المفضل لابن سلمان”.

أبرز ما تناولته “إنتيليجنس أونلاين” عن “تحكم”، أنها “تواصل نشر حلول جديدة لصالح الأمير، فبالإضافة إلى الخدمات المعتادة المقدمة للوزارات الحكومية في مجال الأمن السيبراني والتتبع، تشعبت الشركة كذلك إلى قطاع البيانات الضخمة وتحليل البيانات”.

وذكرت: “لقد بدأت مؤخرا في تطوير برمجية (تويتانا) المكرسة لتحليل التأثير على تويتر منصة التواصل الاجتماعي المفضلة لدى ولي العهد، فيما يظل مركز الأمن الإلكتروني، التابع للهيئة الوطنية للأمن السيبراني، التابعة بدورها لوزارة الداخلية، وكذلك مركز المعلومات الوطني، الملحق برئاسة أمن الدولة، وأجهزة الاستخبارات، الزبائن الرئيسين للشركة (تحكم)”.

وفي 3 يناير/ كانون الثاني 2018، قام “صندوق الاستثمارات العامة ” الذي يترأسه ابن سلمان بضم (تحكم) بهدف السيطرة على الشركات المرتبطة سابقا بمحمد بن نايف، بما في ذلك شركات (سكب السعودية القابضة) وشركة (ألفا ستار لخدمات الطيران)، و(شركة تحكم التقنية).

 

قصة “تحكم”

الشركة السعودية للتحكم التقني والأمني الشامل “تحكم”، هي إحدى الشركات التابعة لشركة تحكم الاستثمارية التي تأسست مطلع سبتمبر/ أيلول 2015، ويقع مقرها الرئيس في الرياض، وتمارس نشاطاتها في كافة مناطق المملكة.

لكن قصة تأسيس الشركة تعود إلى سنوات للوراء خلال عهد الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، عندما عهد إلى وزير الداخلية (آنذاك) الأمير محمد بن نايف بمهام مكافحة الإرهاب وحماية العائلة من المتربصين بها.

وفي 6 يوليو/ تموز 2020، نشر الكاتب الأميركي ديفيد اغناتيوس، مقالة في صحيفة “واشنطن بوست” بعنوان “الصعود المبهر والانهيار المأساوي لمحمد بن نايف”، تحدث فيها عن شركة تحكم، وبداية عملها.

اغناتيوس قال: “في مايو/ أيار 2003، عندما هاجم مفجرو القاعدة مجمعا سكنيا أجنبيا في الرياض، فقتلوا 35 شخصا، بينهم 10 أميركيين، هرع جورج تينيت (مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية من 1996 إلى 2004) إلى الرياض لعقد اجتماع عاجل لتحذير الملك عبد الله من أن العائلة المالكة تواجه تهديدا خطيرا”.

وأضاف: “تينيت قال للملك إن مؤامرات القاعدة كانت موجهة ضد عائلتك وقيادتك الدينية وحثه على إعلان الحرب”. وتابع: “هنا نظر الملك إلى محمد بن نايف وقال أمام الآخرين ستتعامل مع ملف مكافحة الإرهاب”.

ولإدارة العمليات بشكل آمن، قرر محمد بن نايف إنشاء شبكة تعرف بـ “المملوكات” وهي شركات خاصة تستخدم لإجراء العمليات السرية. وحسب اغناتيوس: “تم إدارة شبكة الشركات الأمامية من خلال شركة (سكب) السعودية القابضة ومقرها الرياض”.

وأردف: “أدار سكب 4 عمليات رئيسة مقرها الرئيس في الرياض: (ألفا ستار) لخدمات الطيران تنقل أفراد المخابرات وأسلحتهم، وشركة (بناء) التي قامت ببناء البنية التحتية للمباحث وعملياتها، بما في ذلك مبنى المقر الجديد.

فيما قدمت (شركة المراقبة الأمنية) المركبات المدرعة والخدمات الأمنية الأخرى، ويأتي دور (شركة التحكم التقني) التي عملت مع الشركات الأميركية والسعودية لتوفير التشفير وفك التشفير واستخراج البيانات والخدمات الرقمية الأخرى”.

 

سلاح مخيف

ظهرت شركة تحكم في إطار الصراع الدائر بين محمد بن سلمان، ومعارضيه في الخارج، لا سيما ضابط الاستخبارات السعودي السابق والمنشق سعد الجابري، المساعد الأول للأمير المعتقل محمد بن نايف سابقا.

وفي 29 يناير/ كانون الثاني 2021، رفعت 10 شركات سعودية حكومية، مملوكة لمجموعة (تحكم)، دعوى قضائية في كندا ضد الجبري، مدعية أنه اختلس مليارات الدولارات، في تطور يزيد من حدة المعركة بين محمد بن سلمان، وضابط الاستخبارات السابق في البلاد.

الشركة التابعة لصندوق الثروة السيادي، الذي يرأسه ابن سلمان، رفعت الدعوى أمام المحكمة العليا في أونتاريو بكندا، حيث يعيش الجبري في منفاه.

يذكر أن الجبري قدم في أغسطس/ آب 2020، دعوى قضائية في الولايات المتحدة، متهما ابن سلمان بإرسال فريق من العناصر إلى كندا لتصفيته نهاية 2018، بذات الطريقة التي قتل بها الصحفي جمال خاشقجي في تركيا.

أما “تحكم” التي تدخل في قطاع التكنولوجيا الخاصة بتحليل البيانات، فتأتي ضمن دائرة واسعة من النشاط الاستخباراتي السعودي الواسع منذ صعود ابن سلمان، وهو نشاط يحمل في طياته سجلات سوداء حافلة في الملف الحقوقي للمملكة، وآليات التجسس واستهداف المعارضين.

على سبيل المثال، في 23 يناير/كانون الثاني 2020، قالت صحيفة لوموند الفرنسية: إن “اختراق السعودية هاتف مؤسس أمازون ورئيسها جيف بيزوس، الذي يمتلك صحيفة واشنطن بوست، ستكون قصة تجسس مذهلة”.

وحسب لوموند “أدى التسلل إلى جهاز بيزوس، إلى نشر صور حميمة لـ”لملياردير” مالك الصحيفة اليومية، التي كان يكتب فيها الصحفي السعودي “جمال خاشقجي” المعروف بانتقاده للرياض”.

وذكرت الصحيفة الفرنسية أن “استنتاجات التحليل الفني الذي أجري عام 2019، لجهاز آيفون الذي يملكه بيزوس، أظهرت تبادل ولي العهد ورئيس شركة “أمازون” أرقام هواتفهما الشهر السابق للتسلل الرقمي أول مايو/أيار 2018″.

وفي 4 ديسمبر/ كانون الأول 2018، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أكدت خلاله أنه “قبل أشهر قليلة من شن ولي العهد السعودي حملة اعتقالات واسعة شملت المئات من الأمراء ورجال الأعمال، استخدمت المخابرات شركات التقنية السعودية، التي بدورها فعلت برامج لقرصنة الهواتف النقالة استطاعت من خلالها القبض على الأمراء والمعارضين”.