ربما تكون الرسالة التي تركها عام 2019 لولي العهد السعودي “محمد بن سلمان”، قبل نهايته، هي أنه “لا يمكنك دائما الحصول على ما تريد”.

ولم يتمكن “بن سلمان” من تحقيق نصر واضح على المتمردين الحوثيين، الذين تدعمهم إيران في اليمن المجاورة، وفشل في إجبار قطر المجاورة على الاستسلام لمطالبه، ولم ينجح في إجبار تركيا على سحب قواتها العسكرية من قطر، وفشل في جذب المستثمرين الدوليين البارزين الذين كان يأمل في أن يندفعوا لشراء أسهم شركة النفط الحكومية “أرامكو” وزيادة تقييمها.

ورغم ارتفاع سعر الأسهم خلال الأيام الأولى من التداول، ما منح الشركة تقييما بـ 2 تريليون دولار، وهو التقييم الذي كان يسعى إليه ولي العهد، فإن الأسهم يتم تداولها فقط في البورصة السعودية المحلية “تداول”، دون مشاركة للمستثمرين الدوليين.

ورغم ذلك، كان الاكتتاب الهزيل لـ”أرامكو” هو الخبر الوحيد الجيد لولي العهد الشاب المتهور، الذي لم يحسب تداعيات تورطه في اغتيال الصحفي السعودي البارز “جمال خاشقجي” قبل 14 شهرا.

وقد فشلت سياساته العدوانية في منطقة الخليج أو تجمدت في كل جبهة تقريبا.

وأوضحت الأحداث الأخيرة أن أفضل خيار له الآن هو إيجاد طرق لإنقاذ ماء وجهه من الأزمتين طويلتي الأمد التي خلقهما بنفسه، وهما الحرب الجوية التي دمرت اليمن، والمقاطعة العقيمة لقطر.

 

الصراع في اليمن يتعقد

ومرت 5 أعوام على دخول المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، الحرب الأهلية بين الفصائل اليمنية.

وألقى السعوديون بسلاحهم الجوي المجهز من الولايات المتحدة في حملة قصف لا هوادة فيها، بينما نسقت الإمارات الجهود العسكرية على الأرض.

وأسفر الصراع المتصاعد عن مقتل الآلاف، وانتشار المجاعة في أفقر بلد في العالم العربي.

لكن “بن سلمان” وكبار مسؤوليه قالوا إنه ليس لديهم خيار سوى الاستمرار، وقالوا إن السعودية لا يمكن أن تسمح بظهور حكومة موالية لإيران على حدودها الجنوبية.

ومع ذلك، لا يزال المتمردون الحوثيون يسيطرون على العاصمة صنعاء، وما زالوا قادرين على إطلاق الصواريخ عبر الحدود.

وأسفرت جهود صنع السلام المتعددة التي بذلتها الأمم المتحدة عن اتفاقات إسمية لم تحقق سوى القليل من النتائج الفعلية. و

لاحقا في أغسطس/آب من العام الجاري، أعلنت الإمارات أنها ستنسحب من النزاع، تاركةً السعوديين وحدهم تقريبا.

وقال الإماراتيون إنهم يحتاجون إلى قواتهم في الداخل لتفادي أية هجمات محتملة من إيران، لكن العديد من محللي الشؤون الإقليمية قالوا إن حكام الإمارات كانوا يقولون “كفى للحرب”.

ويقول “جيرالد فايرستاين”، سفير الولايات المتحدة السابق في اليمن: “لقد كان شعور الإماراتيين أنهم تحملوا وطأة هذه المعركة خلال 4 أعوام، في حين اكتفى السعوديون بالتحليق بالطائرات وإسقاط القنابل”.

ومهما كان الدافع وراءه، فقد قوض قرار الإمارات حملة “بن سلمان” لإقناع أو إكراه أكبر عدد ممكن من الدول العربية على الانضمام إلى سياسة المملكة في مواجهة إيران ونفوذها في كل ساحة ممكنة، وبأي وسيلة ضرورية. وترك الانسحاب الإماراتي ولي العهد السعودي وحاكم الأمر الواقع في المملكة كمحرك رئيسي وحيد لهذا الصراع الكارثي.

ثم في شهر سبتمبر/أيلول، أُصيبت اثنتان من المنشآت النفطية السعودية الرئيسية بالشلل بسبب هجمات بالطائرات بدون طيار والصواريخ من المحتمل أنها جاءت من إيران، ما أدى إلى خفض إنتاج النفط مؤقتا إلى النصف.

وأعلنت الولايات المتحدة أنها ستنشر وحدات للدفاع الجوي لمساعدة السعوديين على حماية أنفسهم، لكن عندما فشلت إدارة “ترامب” في اتخاذ أي إجراء مباشر ضد إيران، رأى السعوديون حاجة إلى تغيير موقع الأصول العسكرية المرابطة في اليمن.

ووفقا لـ “كريستيان أولريخسن” من معهد “بيكر” فقد “صدم عدم وجود استجابة قوية من قبل إدارة ترامب قيادة الرياض وأبوظبي، وتلا ذلك إعادة تقييم للنهج المتشدد للبلدين في الشؤون الإقليمية”.

وبعد أسابيع قليلة من إعلان الإمارات، وفقا لتقارير متعددة من المنطقة، بدأ المسؤولون السعوديون مفاوضات غير مباشرة مع الحوثيين برعاية عمانية.

وحتى لو أدت هذه المناقشات إلى بعض التقدم، إلا أنه من المرجح أن تستمر بعض أعمال العنف في اليمن، لأن تنظيم “القاعدة” استفاد من الجمود السياسي لتعزيز نفسه في جنوب البلاد.

 

فشل الحصار

ولا يرتبط حصار قطر ارتباطا مباشرا بحرب اليمن، ولم يسفر عن عنف، ولكنه أنتج آثارا أوسع نطاقا بالنسبة للمنطقة.

وعطل الحصار الحركة الجوية وأنماط الأعمال والحياة الأسرية في جميع أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي الست.

وفي هذا الملف أيضا، يتصاعد الضغط على “بن سلمان” الذي ليس لديه فرصة واقعية للحصول على النتائج التي سعى إليها.

وفي يونيو/حزيران 2017، فرضت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر مقاطعة دبلوماسية واقتصادية كاملة على قطر.

وبعد أسبوعين، أصدرت الدول الأربع 13 مطلبا قالوا إن على قطر أن تفي بها لإنها الحصار.

ومن بين أمور أخرى، أرادت دول الحصار من قطر اتخاذ إجراءات صارمة ضد جماعة الإخوان المسلمين، التي تعتبرها السعودية جماعة إرهابية، وإغلاق شبكة “الجزيرة” الفضائية، وطرد القوة العسكرية التركية المتمركزة في البلاد وتقليص علاقاتها الاقتصادية مع إيران.

وعندما لم يمتثل القطريون، أعلن السعوديون عن خطة لحفر قناة على طول الحدود السعودية القطرية، لقطع آخر طريق بري لقطر.

وكان تأثير الحصار على قطر كبيرا، حيث تم إغلاق حدودها ومجالها الجوي، وتم فصل العائلات، وتوقف استيراد المواد الغذائية ومنتجات الألبان من السعودية، وجرى إعادة توجيه الرحلات الجوية.

وقللت السعودية وشركاءها بشكل كبير من قدرة القطريين، المدعومين بثرواتهم الكبيرة من الغاز الطبيعي، على المناورة.

لكن، في غضون فترة قصيرة، وجد القطريون مصادر غذاء جديدة وأسواقا بديلة في تركيا.

وبدلا من تقليص علاقاتهم مع إيران، التي تشترك معها قطر في أكبر حقل للغاز البحري في العالم، زادت العلاقات التجارية بين البلدين.

علاوة على ذلك، فشل السعوديون وشركاؤهم في الحصول على دعم الولايات المتحدة، التي لديها قاعدة عسكرية كبيرة في قطر، ولديها أيضا قاعدة بحرية في البحرين وعلاقات أمنية وثيقة مع السعودية.

وحصل السعوديون على الرسالة في سبتمبر/أيلول الماضي، عندما عقد الرئيس “ترامب” لقاء وديا على هامش اجتماع الأمم المتحدة مع أمير قطر “تميم بن حمد آل ثاني”.

ومنذ ذلك الحين، كانت هناك سلسلة من التطورات التي تبشر بإنهاء خلاف كانت له آثار كارثية على السعودية.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني، هبطت طائرة سعودية في الدوحة، العاصمة القطرية، لنقل المنتخب الوطني لكرة القدم للعب بطولة إقليمية.

وقبل عامين، تم نقل البطولة إلى الكويت لأن السعودية والإمارات والبحرين رفضت اللعب في قطر.

وفي 4 ديسمبر/كانون الأول، أعلنت قطر أن الأمير “تميم” قد تمت دعوته من قبل السعوديين للسفر إلى الرياض لحضور قمة مجلس التعاون الخليجي.

وأثار ذلك تكهنات في جميع أنحاء المنطقة بأنه سيتم الإعلان عن بعض التقدم في قمة 10 ديسمبر/كانون الأول. لكن الأمير “تميم” لم يحضر القمة، وأرسل رئيس وزرائه بدلا منه، وانتهت الجلسة العامة للقمة بعد 20 دقيقة دون أية تطورات كبيرة.

ونتيجة لذلك، لا يزال الحصار مستمرا بعد 11 شهرا من تصريح وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” حول كون الحصار “استمر لفترة طويلة للغاية”.

وتكثف الكويت، عضو مجلس التعاون الخليجي، جهودها للوساطة.

وقال وزير الخارجية القطري “محمد بن عبدالرحمن آل ثاني”، هذا الأسبوع: “لقد كسرنا الجمود ببدء الاتصال مع السعوديين”.

ولا يشير هذا أن التسوية باتت وشيكة، ولكن على الأقل يتحدث الطرفان معا الآن.

وفي خضم كل الاضطرابات التي تعصف بالشرق الأوسط، من ليبيا إلى لبنان إلى العراق، لا يزال الحصار عائقا أمام التعاون الذي تشتد الحاجة إليه بين دول الخليج.