قالت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية: إن المملكة العربية السعودية ترغب في استعادة مواطنها الهارب سعد الجبري الذي يٌعد أقرب مسؤول اتصال مع واشنطن لمكافحة الإرهاب في العالم العربي علي مدار 15 عاما، وبالخصوص منذ هجمات 11 سبتمبر 2011.

ويملك الجبري إمكانية الوصول إلى مليارات الدولارات من الأموال الحكومية السعودية، كما أن لديه علاقات وثيقة بالأفراد البارزين في العائلة الحاكمة، بالإضافة إلى امتلاكه القدرة على القيام بمهام الولايات المتحدة نفسها غير قادرة على تنفيذها.

وبين ليلة وضحاها، تحول الرجل الأقوى في محاربة الإرهاب، والذي يقود مجموعة من فرق العمل إلى هارب دولي، في الوقت الذي يعتقد فيه مسؤولون سعوديون أنه، بمساعدة المجموعة التي يقودها أساؤوا إنفاق 11 مليار دولار أثناء عملهم في وزارة الداخلية بالمملكة، واختلسوا منها مليار دولار لأنفسهم.

وأكدت الصحيفة الأميركية أن السعودية أصدرت طلبات تسليم وإشعارات إلى الإنتربول، في الوقت الذي يعتقد فيه الجبري أن الرياض أرسلت صديقه القديم لإقناعه وإغرائه بالعودة في مارس/آذار 2020، كما اعتقلت اثنين من أبنائه.

 

الإثراء الذاتي

يفتح الصراع المرير بين الحكومة السعودية والجبري أسرارا كثيرة عن نظام المحسوبية والصفقات التجارية والإثراء الذاتي المزعوم في البلاد، وكل ذلك باسم مكافحة الإرهاب.

وقال مسؤولون استخباراتيون أميركيون وأوروبيون حاليون وسابقون: إن التحقيق يخاطر بالكشف عن أسرار حساسة للعمليات الأميركية السعودية ضد المتطرفين. وقالوا: إن أحد طرفي العداء أو كليهما قد يسرب مثل هذه الأسرار لتعزيز قضيتهما.

وأضاف مسؤول أميركي: ” لا نريد بالضرورة الكشف عن خبايا عمليات مكافحة الإرهاب”.

ومن خلال التحقق من تفاصيل التحقيق السعودي والتوسع في النتائج من خلال مسؤولي المخابرات الأميركية والأوروبية، جمعت صحيفة وول ستريت معلومات عن مليارات الدولارات التي ساهمت في إثراء كبار المسؤولين الحكوميين السعوديين أثناء ممارسة نفوذهم خارج المملكة.

وأشارت الصحيفة إلى أنه تم استخدام الأموال لمجموعة متنوعة من الأغراض بما في ذلك الدفع للجواسيس والقادة الأجانب مثل رئيس السودان السابق عمر البشير، وشراء معدات الشرطة والهواتف الآمنة.

ووفقا لمطلعين على سير التحقيقات، فإن المحققين زعموا أن الشبكة التي كان يقودها الجبري قد تربحت من فرض عمولات كبيرة علي تعاقدات الحكومة مع شركات غربية كبيرة مثل “crop“ وأوراكل، في الوقت الذي استخدمت فيه الحسابات البنكية الخارجية المرتبطة بالشركات لنقل الأموال.

ولا ينكر أنصار الجبري حركة الأموال، لكنهم قالوا: إن هذا النظام كان يعمل بشكل طبيعي في المملكة العربية السعودية وقد تم تحت رعاية، ولي العهد آنذاك محمد بن نايف.

والجبري غادر السعودية في عام 2017 إلى كندا، ويعيش في مدينة تورنتو الآن، كما أن الحكومة الكندية رفضت إعادته إلى المملكة.

من جهة أخرى، فإن عائلة الجبري تعتقد بأن الحكومة السعودية تريد إعادته لأنه يعرف أسرار العائلة المالكة، وأن ولي العهد محمد بن سلمان لديه ثأر شخصي ضده بسبب خلاف حول سياسته في اليمن والنزاعات الأخرى، وقالوا: إن ولدي الجبري، 20 و21 عاما، محتجزان كرهائن حتى يعود والدهما.

ورفض الجبري التعليق، بينما قال أحد أبنائه، خالد الجبري، وهو طبيب في بوسطن، في رسالة نصية: “نرحب بأي إجراءات محايدة لا تشمل محاولات التسبب في الأذى أو الابتزاز من خلال أخذ الأطفال كرهائن”.

وقال متحدث باسم الحكومة السعودية: إنها لا تعلق على التحقيقات الجارية، في حين أوضح مسؤولون سعوديون معنيون أنهم يحاولون تقديم الجبري إلى العدالة في إطار حملة الأمير محمد لمكافحة الفساد.

من ناحية أخري، يعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أشد المؤيدين لمحمد بن سلمان، في الوقت الذي كان فيه الكونجرس حاسما، حيث أصدر قرارا يحمل الأمير مسؤولية قتل الصحفي جمال خاشقجي عام 2018 على أيدي رجال يعملون لديه، والتصويت لمنع مبيعات الأسلحة إلى المملكة.

وهذا يؤكد، بحسب الصحيفة، أن المزيد من التحركات السعودية ضد الجبري وأنصاره يمكن أن تثير المشاعر المعادية للرياض، حيث كان منافس ترامب، نائب الرئيس السابق جو بايدن، أكثر انتقادا لابن سلمان.

 

صندوق الجبري

الجبري، 61 سنة، حائز على دكتوراة في علوم الكمبيوتر، وكان يعد الشخصية الثانية في وزارة الداخلية السعودية، التي أدارها محمد بن نايف لسنوات.

أدار الجبري صندوقا خاص للوزارة خلط بين الإنفاق الحكومي على جهود مكافحة الإرهاب ذات الأولوية العالية مع مكافآت شخصية له وآخرين، وفقا للوثائق التي راجعتها الصحيفة ومقابلات مع المسؤولين السعوديين ومع المقربين من الرجل.

خلال 17 عاما، أشرف على الصندوق الذي تدفق 19.7 مليار دولار من خلاله، حيث تزعم الحكومة أن 11 مليار دولار تم إنفاقها بشكل غير صحيح من خلال المدفوعات الزائدة على العقود أو جرى تحويلها إلى وجهات بما في ذلك حسابات مصرفية خارجية يسيطر عليها الجبري وعائلته وشركاؤه، بما في ذلك ابن نايف.

يقول المسؤولون الأميركيون: إن محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للمملكة، يستخدم أحيانا تحقيقات الفساد كغطاء لملاحقة المعارضين السياسيين أو المنافسين المحتملين، بما في ذلك أبناء الملك السابق والموالين له.

وأكدت الصحيفة الأميركية أن ما كان يقوم به الجبري استمر لسنوات بمعرفة وموافقة ضمنية من وكالات المخابرات الأميركية التي اكتشفت أنه طالما أن الأموال لا تمول الإرهاب، فإن الأمر متروك للسعوديين لتقرير ما إذا كان ذلك مقبولا، وفقا لمسؤولي CIA السابقين.

كانت وكالات الاستخبارات الأميركية على علم بتدفقات الأموال من صندوق الجبري إلى دول مثل السودان وإندونيسيا وزعماء القبائل في غرب العراق والشركات في الولايات المتحدة وأوروبا، والحسابات الأجنبية التي يسيطر عليها الرجل وحلفاؤه.

ودخلت الشركات المرتبطة بعائلة الجبري في شراكة مع الموردين العسكريين الأميركيين، مما حقق ربحا من مشتريات الحكومة السعودية من تلك الشركات.

كما أن الأموال تدفقت من خلال البنوك الدولية مثل HSBC ، وفقا لمسؤولين أميركيين وسعوديين حاليين وسابقين ووثائق مصرفية راجعتها الصحيفة. ورفضت متحدثة باسم HSBC التعليق.

جدير بالذكر أنه تم إنشاء صندوق الجبري من قبل الملك الراحل عبد الله للقضاء على الإرهاب المحلي بعد هجمات 11 سبتمبر.

كانت الإستراتيجية هي تعزيز القدرة الشرائية لوزارة الداخلية من خلال السماح لها بالاحتفاظ بـ 30٪ من الإيرادات من أشياء مثل تجديد جوازات السفر ورسوم التأشيرات وتجاوز السرعة.

بعد ذلك ببضع سنوات، تمت زيادة المبلغ إلى 45٪، ونشر أموال مكافحة الإرهاب في الغالب من خلال الشراكات مع القطاع الخاص للتحرك بسرعة، وتجنب البيروقراطية والقيام بالأشياء سرا.

إحدى الشركات كانت شركة طائرات خاصة، سمحت للنشطاء السعوديين بالتحرك بسهولة في جميع أنحاء العالم.

وقالت وثائق حكومية وأشخاص مطلعون على التحقيق: إن الجبري استخدم الأموال لشراكات القطاع الخاص المنخرطة في أعمال تتعلق بالأمن ولكنه أنشأ نظاما يمكنه هو وزملاؤه الاستفادة منه.

وأعلنت شركة أميركية أخرى، هي SAS Institute Inc، ومقرها نورث كارولينا، في عام 2012، عن شراكة إستراتيجية مع Technology Control التي يديرها شقيق الجبري لتوفير الخدمات لوزارة الداخلية، بما في ذلك العمل في كلية تدريب خدمات الاستخبارات في السعودية.

وذهب جزء كبير من الأموال المتدفقة من الوزارة إلى شركة تسمى شركة سكاب السعودية القابضة، التي تلقت أكثر من 26 مليار ريال سعودي (6.9 مليار دولار) في الفترة من 2008 إلى 2014، وفقا للحسابات المصرفية ووثائق التحويل التي راجعتها الصحيفة. ولم تستجب شركة سكاب لطلبات التعليق.

كانت الوزارة ترسل بانتظام عشرات الملايين من الدولارات إلى حساب “سكاب” في البنك السعودي البريطاني، التابع لشركة HSBC.

عندئذ، تعمل “سكاب” على تحويل جزء كبير من النقد إلى حسابه في بنك HSBC الخاص في جنيف، حيث يتم إرسال جزء منه إلى حسابات بأسماء مساعدي الجبري.

تلقى محمد بن نايف مئات الملايين من الدولارات مباشرة من سكاب، ولكن في بعض الحالات دفعها لشركات أخرى تعمل في وزارة الداخلية، بحسب السجلات المصرفية والأشخاص المطلعين على التحقيق السعودي.

ويتساءل أحد التنفيذيين الأميركيين: لماذا جاءت المدفوعات التي حصل عليها مقابل عقد مع الوزارة مباشرة من الحساب الشخصي للأمير.

تلقى الجبري حوالي 250 مليون دولار من سكاب وشركات أخرى ممولة من وزارة الداخلية، وفقا لوثائق البنك والأشخاص المطلعين على التحقيقات الجارية في المملكة العربية السعودية.

 

مجرد ذريعة؟

بحسب المحققين السعوديين، تلقى الجبري وشقيقه وابن أخيه واثنين من زملائه أكثر من مليار دولار من المدفوعات المباشرة، كما أنهم يحققون في مليارات الدولارات من تدفقات أخرى من الأموال وعقود مبطنة.

انتهت هذه الترتيبات في عام 2017 عندما تم استبدال محمد بن نايف، وأصبح الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد، حيث سعى إلى تفكيك نظام سلفه وتحييد منافسيه.

وكان الجبري قد طُرد من العمل قبل ذلك بعدة أشهر، رسميا بسبب اجتماع غير مصرح به مع رئيس وكالة المخابرات المركزية آنذاك جون برينان.

في مقابلة، وصف برينان السبب بأنه “مجرد ذريعة”، وأضاف أن الأمير محمد يلاحق الجبري لأنه اعتقد أنه شخص لا يمكنه السيطرة عليه.

ورفض نجل الجبري الإجابة على أسئلة محددة حول الشؤون المالية لعائلته، وقال: إن الأموال التي تدعي الحكومة أنها استخدمت للفساد، خصتت بالفعل للعمل السري لمكافحة الإرهاب نيابة عن الحكومة السعودية، وقال مسؤولو استخبارات أميركيون سابقون: إنه من المعقول استخدام جزء من الأموال بهذه الطريقة.

وقال مستشار لأسرة الجبري: إنه حصل على مكافآت مالية مقابل خدمته لملوك وولي عهد متعاقبين.

وظل ابنا الجبري عمر وسارة في المملكة عندما غادرها والدهما لأنهما ينتظران تأشيرات التعليم الأميركية.

بمجرد حصولهما عليها، أوقف عناصر الأمن سارة في المطار، ومنعت عمر فيما بعد من المغادرة، وطبقا لأقارب مقربين من الجبري، أعطاهم الديوان الملكي راتبا شهريا لتغطية نفقات معيشتهم لأن حسابات والدهم مجمدة في المملكة.

ولفت شخص مقرب من الجبري إلى أنه طلب من محمد بن سلمان السماح لأطفاله بالمغادرة، وقال الأمير: إن القضية ستحل إذا عاد.

في مارس/آذار، قُبض على عمر وسارة بعد أيام من لقاء عمر بمسؤول استخبارات غربي سابق في الرياض.

وبين المحققون السعوديون أن عمر اعترف بأن المسؤول أطلعه على خطة لمساعدته وشقيقته على الفرار من البلاد. اعترض شخص مطلع على الاجتماع على هذه الرواية وقال: إن المسؤول السابق التقى بعمر لتمرير هدية عيد ميلاد لسارة من والديها.

وأوضح مسؤول سعودي أن الأخت والأخ محتجزان معا في فيلا لسجناء كبار الشخصيات داخل مجمع سجون بالرياض، وقال مسؤول أميركي: إن واشنطن أثارت قضية الجبري مع الحكومة السعودية على “مستويات عالية جدا”.