تُظهر موازنة الحكومة السعودية لعام 2021 أنها لا تزال ملتزمة بخفض الإنفاق الحكومي وإرساء الاستدامة المالية طويلة الأجل من خلال الإصلاحات، لكن الزيادة اللازمة في نشاط القطاع الخاص لتعويض التخفيضات في الإنفاق العام وكذلك دعم الآفاق المالية طويلة الأجل للمملكة، ليست مضمونة، مما يخلق احتمالية بحدوث اضطرابات اجتماعية مدفوعة بالأسباب الاقتصادية.

وتخصص الميزانية 264 مليار دولار للإنفاق الحكومي، بإيرادات متوقعة قدرها 226 مليار دولار، وتتوقع أن يتقلص عجز ميزانية المملكة عام 2021 إلى 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي من عجزها البالغ 12% عام 2020، كما تتوقع الموازنة أيضًا خفضًا بنسبة 7.3% في الإنفاق الحكومي وتتضمن إشارات عديدة إلى التزام الرياض المستمر بأهداف “رؤية 2030”.

 

تداعيات الجائحة

وتعكس تخفيضات الموازنة الظروف المالية الصعبة للسعودية في خضم التفشي المستمر لجائحة “كوفيد -19″، حيث أدى انخفاض أسعار النفط الذي تفاقم بسبب فيروس “كورونا” إلى انخفاض الإيرادات خلال عام 2020.

وأعاق العام المنصرم المتأثر بالجائحة جهود الحكومة السعودية التي استمرت لسنوات في إطار “رؤية “2030 لتنويع اقتصاد البلاد المعتمد على النفط من خلال تعزيز القطاع الخاص وزيادة الإيرادات غير النفطية.

وانخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة بنسبة 4% في النصف الأول من عام 2020، وتشير التقديرات الحكومية الأولية إلى انكماش قدره 3.7% في عام 2020، مدفوعة بانخفاض النشاط في كل من القطاعات النفطية وغير النفطية، ويعتبر ذلك أكبر انكماش شهدته المملكة منذ أكثر من عقد، بينما يتوقع صندوق النقد الدولي انكماشا أكثر حدة بنسبة 5.4%.

وتجاوز الإنفاق الحكومي موازنة الرياض المعتمدة لعام 2020 بنسبة 4.7% والتي أرجعها وزير المالية إلى “زيادة الإنفاق لمواجهة الوباء”.

 

التزامات رؤية 2030

يُظهر خفض النفقات أيضًا التزامًا مستمرًا بهدف “رؤية 2030” الرئيسي بمحاولة الحفاظ على انضباط مالي أفضل. وتدعم موازنة 2021 أولوية “رؤية 2030” الخاصة بضبط الميزانية بحلول عام 2023.

لكن تحقيق هذا الهدف سيتطلب تطبيقًا فعليًا لإجراءات الانضباط المالي (وهو ما واجهت الرياض سابقًا صعوبات في تحقيقه) كما سيتطلب الاستثمار في الاقتصاد المحلي من خلال صناديق الثروة، بالإضافة إلى زيادة نشاط القطاع الخاص، وكلاهما غير مضمون بعد التداعيات المالية لعام 2020.

كما قد تؤدي التخفيضات في الإنفاق الحكومي إلى إضعاف قدرة المملكة على التعافي السريع من الانكماش الاقتصادي الشديد الذي شهدته هذا العام أيضا.

لطالما كافح القطاع الخاص السعودي للنمو بسبب اعتماده على العمالة الأجنبية، فضلاً عن اعتماد المملكة الكلي على الإنفاق الحكومي كمحرك للنمو الاقتصادي، وتهدف “رؤية 2030” إلى معالجة هاتين المشكلتين.

تشير التوقعات الأولية للنمو إلى زيادة إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 3.2% في 2021 مدفوعة بافتراض أن النشاط الاقتصادي سيستمر في التعافي خلال العام، وأن دور القطاع الخاص يتعزز باعتباره المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، لكن ذلك غير ظاهر بعد مع اقتراب 2020 من نهايته.

 

اضطرابات اجتماعية متوقعة

وقال وزير المالية السعودي إنه لا يزال يتعين النظر إلى الميزانية على أنها توسعية، حتى مع التخفيضات في الإنفاق الحكومي المباشر، لأن صناديق الثروة السعودية ستنفق مئات المليارات من الريالات في الاقتصاد المحلي.

ولن يعتمد تمويل العجز على تقليص الإنفاق فحسب، بل سيحدث عن طريق المزيد من الديون واستنزاف الاحتياطيات المالية الحكومية.

على المدى الطويل؛ قد تؤدي جهود التنويع المستمرة التي تبذلها الرياض إلى حدوث اضطرابات اجتماعية، حيث من المرجح أن يشعر السعوديون بعدم اليقين بشأن مستقبلهم الاقتصادي طوال العام المقبل.

وتشير الزيادة المتوقعة في الإيرادات الضريبية العام المقبل إلى أهميتها المتزايدة كمصدر للإيرادات غير النفطية في السعودية، وهو تحول اجتماعي كبير للمملكة، وستحاول الحكومة تخفيف الصدمة من خلال إجراء تخفيضات متواضعة لمبالغ المزايا الاجتماعية المدرجة في الميزانية، لكن الاضطرابات قد تستمر في الازدياد إذا لم يخفف التعافي الاقتصادي بشكل كبير من تركة الوباء المتمثلة في ارتفاع تكلفة المعيشة المتوقعة للسعوديين.

تشير التقديرات إلى أن الإيرادات الضريبية عام 2021 سترتفع بنسبة 30.8% مقارنة بعام 2020، بناءً على الرسوم الجمركية الجديدة وزيادة ضريبة القيمة المضافة في السعودية من 5% إلى 15% في يوليو/تموز 2020، لكن زيادة ضريبة القيمة المضافة أثارت تذمرًا كبيرًا بين السعوديين بخصوص ارتفاع تكاليف المعيشة.

يشار إلى أن الإنفاق المدرج في الموازنة على المزايا الاجتماعية بلغ 63 مليار ريال (16.8 مليار دولار) في عام 2021، مقابل 69 مليار ريال (18.4 مليار دولار) في عام 2020، وهو انخفاض طفيف، بينما تبلغ النفقات المدرجة في الموازنة للدعم 22 مليار ريال (5.9 مليار دولار) في عام 2021، مقارنة بـ 17 مليار ريال (4.5 مليار دولار) في عام 2020.