العديد من الملفات يُتوقع أن تحضر على طاولة التفاوض بين النظام السوري والسعودية، بعد مؤشرات حول استعداد الرياض لاستئناف علاقاتها مع هذا النظام، إثر قطيعة دامت 12 عاماً، وإن كانت العلاقات الدبلوماسية ستبقى على نطاق محدود في البداية، يقتصر على الجانب القنصلي.

وبرز ما ذكرته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، الخميس الماضي، نقلاً عن “مستشارين للحكومة السورية”، لم تسمهم، من أن الرياض تريد حل قضية المعتقلين السعوديين الذين تم أسرهم بعد انضمامهم إلى الجماعات الجهادية المتورطة في الحرب السورية.

هذا الأمر يفتح الباب أمام التعامل مع هذا الملف الشائك، فمعتقلات النظام تضم آلاف المعتقلين العرب قبل الثورة السورية في عام 2011 وأثناءها، وفق تقارير حقوقية وشهادات معتقلين ناجين.

وكان رئيس إدارة المخابرات العامة لدى النظام السوري حسام لوقا قد زار الرياض أخيراً للاتفاق على خطوات تطبيع العلاقات، ومن المرجح أن مسألة المعتقلين السعوديين كانت في صلب محادثاته مع المسؤولين الأمنيين في المملكة، وسط ترجيحات بافتتاح القنصلية السعودية في دمشق، بعد عيد الفطر (في الأسبوع الأخير من شهر إبريل/نيسان المقبل).

 

المعتقلون السعوديون والعرب في سجون النظام السوري

لا توجد إحصائيات يمكن الركون إليها لعدد المعتقلين السعوديين والعرب في سجون النظام السوري، إلا أنه من المؤكد أن معتقلات النظام تضم المئات من لبنانيين وفلسطينيين وسعوديين، بعضهم كان معتقلاً قبيل انطلاق الثورة السورية والبعض الآخر أثناءها.

من جهتها، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 2887 شخصاً ممن يحملون الجنسيات العربية، بينهم 19 طفلاً و28 سيدة، ومنهم 58 شخصاً يحملون الجنسية السعودية، لا يزالون قيد الاعتقال أو الإخفاء القسري لدى قوات النظام منذ مارس/آذار 2011.

 

معتقلات النظام تضم المئات من لبنانيين وفلسطينيين وسعوديين

وفي السياق، توقع مدير الشبكة فضل عبد الغني، في حديث مع “العربي الجديد”، ألا يتعاون النظام السوري “مع ملف المعتقلين العرب في سجونه”، مضيفاً: هؤلاء رهائن لديه، من المرجح أنه سيحتفظ به لمراحل متقدمة من المفاوضات مع مختلف الأطراف.

وتابع أن “النظام السوري لديه خبرة في الإرهاب مع مختلف الدول، عبر ابتزازها بالمعتقلين لديه، وعبر المخدرات مثل الكبتاغون وغيرها من المواد المخدرة. ووصف عبد الغني اعتقال العرب من قبل النظام بـ”التعسفي”، مشيراً إلى أنهم يندرجون ضمن “المختفين قسرياً”، موضحاً أن التواصل مقطوع معهم.

وكان السفير السعودي في الأردن فهد بن عبد المحسن الزيد قد أكد، في تصريحات صحافية عام 2013، أن عدد السعوديين في سورية بعد مرور عامين من بدء الثورة بلغ 2500 سعودي، مشيراً إلى أن عدد السجناء منهم “قليل”. وأكد أن عدم خروجهم من سورية يأتي بسبب استيطانهم هناك منذ قرابة 60 عاماً، إضافة إلى وجود استثمارات لهم وعلاقات نسب تربطهم بعائلات سورية.

وقال إن السفارة السعودية لم تتأكد من سجن السعوديين بسبب جنسيتهم في سورية، مؤكداً أن السفارة تلقت من أهالي السجناء معلومات تفيد بأن أبناءهم سجنوا بسبب جنسيتهم.

ولفت الزيد إلى أن سفارتي السعودية في عمّان وبيروت تسعيان إلى إطلاق السجناء السعوديين من السجون السورية. وكان النظام السوري اعتقل في عام 2011 عدداً من المقيمين العرب والأجانب، من أجل الضغط على حكوماتهم في سياق محاولاته القضاء على الثورة.

من جهته، أوضح مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “هناك معتقلين سعوديين في سجون النظام السوري، ولكن لا توجد إحصائيات دقيقة عن عددهم”.

وأشار إلى أن “جل المعتقلين السعوديين قبل الثورة في عام 2011 كانوا جهاديين قصدوا سورية للعبور إلى العراق وجرى اعتقالهم”، مضيفاً: لدينا معلومات مؤكدة عن وجود معتقلين أردنيين وفلسطينيين في سجن عدرا (ريف دمشق) منذ 40 سنة.

وفي السياق، أوضح الناشط الحقوقي السوري عبد الناصر حوشان، في حديثٍ مع “العربي الجديد”، أنه “لا يمكن التحقق بدقة من عدد المعتقلين السعوديين في سجون النظام، نظراً لصعوبة التواصل مع ذويهم”.

غير أنه أشار إلى أن العدد التقريبي يصل إلى نحو 700 معتقل. وكانت السعودية قد أغلقت سفارتها في سورية في مارس 2012، وقد سبقها تجميد عضوية النظام في الجامعة العربية أواخر عام 2011.

وقادت الرياض الدول العربية الرافضة لأي عودة للنظام إلى “الحضن العربي”، ولكن تغييرات طرأت على السياسة السعودية في العام الحالي، ومنها التقارب مع الجانب الإيراني، ربما تدفع الرياض إلى مراجعة موقفها حول عودة النظام إلى الجامعة العربية في القمة العربية المقررة فيها في مايو/أيار المقبل.

 

النظام مستعد لمناقشة كل شيء مع السعودية

وعلى الرغم من أن الرياض قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع النظام، إلا أنها أبقت على قنوات اتصال استخبارية معه، إذ تحدثت وسائل إعلام تابعة له عن زيارة قام بها في مايو 2021 رئيس المخابرات السعودية، خالد الحميدان، إلى العاصمة السورية دمشق.

ويرجح أن يكون النظام مستعداً لمناقشة كل الملفات مع الجانب السعودي، بما فيها ملف المعتقلين السعوديين، لأنه يعتقد أن عودة “الدفء” إلى العلاقة مع الرياض مقدمة لإعادة تأهيله إقليمياً وربما دولياً، على الرغم من الاعتراض الأميركي.

من جهته، رأى غزوان قرنفل، مدير تجمع المحامين السوريين، وهي منظمة حقوقية، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “النظام جاهز للمساومة بملف المعتقلين السعوديين لديه، إن وُجدوا، لتحقيق أعلى مستوى من المكاسب السياسية”.

وحول خشية النظام من تبعات قانونية في حال فُتح هذا الملف، أعرب عن اعتقاده أن “النظام لا يخشى شيئاً في هذا الملف”، مضيفاً أنه “سيجد دائماً ما يبرر اعتقالهم من قبيل أنهم جهاديون أو أنهم دخلوا البلاد بطريقة غير مشروعة وقدموا الدعم للعصابات الإرهابية… وإن اقتضى الأمر سيغطي اعتقالهم الطويل بأحكام قضائية صادرة عن محكمة الإرهاب، أما من قضى منهم فسيجد لهم تقريراً طبياً يبيّن أنهم ماتوا باحتشاء عضلة قلبية أو سينكر وجودهم لديه أصلاً”.

وكان الصراع الدائر في سورية اجتذب آلاف الجهاديين العرب للانضمام إلى تنظيمات متشددة من قبيل “جبهة النصرة” ولاحقاً تنظيم “داعش” وسواهما من التنظيمات. ومن المرجح أن قوات النظام اعتقلت العديد منهم خلال المعارك الكثيرة التي دارت في عموم سورية بينها وبين هذه التنظيمات.

ولعل عبد الله المحيسني من أبرز السعوديين الذين ظهروا في المشهد السوري، إذ كان من أبرز “الشرعيين” في “هيئة تحرير الشام” (النصرة سابقاً) مع مواطنه مصلح العلياني.